يليق برئيستهن وأمهن المؤمنة . فتقول الأخت «كونستانس» وهي الصغرى بينهن : «من يدري ؟ لعلها ماتت ميتة لا تليق بها لتقدم موتها لواحدة اخرى هي احوج بالشجاعة منها ، كالذي يلبس ثوباً ضيقاً بالياً ليقدم ثوبه الدافئ الواسع لشخص آخر » ...
وتصبح الأم «ليدوان» (Lidoine) الرئيسة الجديدة ويقال انها رُجحت على الأم ماري لانها من اصل شعبي بسيط والأم ماري من اصل ارستقراطي عريق ، وذلك اوفق للاوضاع الحاضرة والثورة الفرنسية في اعلى اوجها ... ولكن حوادث الارهاب تزداد يوماً بعد يوم وتنال الاشراف ورجال الدين معاً. وهنا ثلة من الشرطة تأتي لتفتيش الدير وانتهاك حرمته . ويدخل واحد منهم غرفة «بلانش» فيستولي عليها الذعر وتخبيء وجهها بين يديها كالطفل الخائف فينهال عليها بالاسئلة فلا تجيب ، ويخيل لرجل الثورة ان هذه الفتاة مرغمة على البقاء في الدير وانها تخاف من التصريح بذلك فيهدد الأم ماري بالوشاية والتشهير وتعريض الدير لعصا القانون والحرية ، فترتمي بلانش بين يدي الأم ماري وهي تجهش بالبكاء المرير.. وتتأزم مشكلة بلانش ويصبح وجودها خطراً على الدير وكيانه فتدعوها اليها الأم «ليدوان» وبعد صلاة مشتركة تقول لها :
- يا ابنتي.. لم يعد لنا امل بالتغلب على طبيعتك وعلى هذا الذعر المميت الذي يستولي عليك.. انظنين اننا نسيء اليك اذا ما ارجعناك الى العالم ؟.
فتنذهل بلانش ويبدو عليها الارتباك وبعد سكوت طويل تقول - نعم ...
حقاً تقولين .. لا امل لي بالتغلب على طبيعتي .. لا امل لي ... سأجر عبء ضعفي على كتفي كما يحمل السجين المجرم اشارة جريمته على جسده ... لهذا الدير هو المكان الوحيد الذي كنت أؤمل ان اجعل فيه من علي تقدمة لجده لعل الله ارادني جبانة كما اراد الاذكياء او البلداء من يدري ؟..
فتهدىء الام من روعها وتعدها ان تفكر بامرها من جديد ..
ويشتد الاضطهاد وتمد الثورة بركان غضبها على اهل الدين فتنهب الدير من جميع ممتلكاته وتحرم على الراهبات لبستهن الدينية فيستولي الرعب على القلوب وتشعر جماعة الدير انهن مهددات بالموت في كل دقيقة ، فتطلب الام ماري ان يقدمن معا نذر الاستشهاد ، فتسألها احداهن :
- وما معنى ذلك ؟.
- ذلك لا يعني ان نرمي انفسنا في النار او ان نفتش عن الموت وانما يعني الا نهرب منه اذا ما اراد الله ان يشرفنا به في الاوقات العصبية الحاضرة ، لا بل علينا ان نقبله بفرح كنعمة منه تعالى يسبغها على الكرمليات في ساعات الشدة ليغسلن بدمائهن البريئة آثام الوطن والبشرية ..
وتقترح الام ماري ان يلقى الاقتراح للتصويت السري واذا ما لاقى الاجماع اصبح نذراً مقدساً والا فلا يعمل به حتى ولو كانت المعارضة بصوت واحد فاتجهت الانظار نحو الاخت بلانش ، فوجلت بلانش وارتبكت ، وشعرت الاخت كونستانس بما جرى فعلاً وجهها اهتمام وانشغال عميق... ووقفت الراهبات صفا ودارت كل منهن حول المذبح حيث الكاهن لتعطي صوتها ، وبعد ان كمل الدور تقدم الكاهن من الام ماري فأعلنت بصوت هادئ ثابت بان هنالك معارضة واحدة ... التقت الجميع الى الاخت «بلانش» واذا بالاخت كونستانس تقول بصوت عال : «المعارضة هي مني انا... ولكني اطلب المعذرة.. ارجو ان تقبلوني الان .. اود ان اضم صوتي الى اصواتكن .. ارجوك ايها الاب ان تقبل صوتي ..» فقبل صوتها.. ويفهم ضمنا بان كونستانس قد عارضت لكي تغطي ضعف صديقتها «بلانش» ولما وجدت بان بلانش لم تعارض عادت هي وقدمت صوتها ... وقدمت الكرمليات نذر الاستشهاد ليغسلن بدمائهن خطيئة الحكام والبشرية وما كدن ينتهين من اعلان النذر حتى ارتبكت بلانش ووجمت وولت ظهرها هاربة من الدير ...
فتلحق بها الام ماري الى باريس فتجدها بقصر والدها الماركيز الذي كان قد اعدم في الليلة السابقة ، والقصر مهدد بالنهب واهله بالاعدام وبلانش جالسة امام النار ترتجف وتصطك اسنانها وقد علت وجهها صفرة الذعر المضنك ،
- البقية على الصفحة ٤٢ -

