

«تثبت الاحداث مع الايام عظمة ودقة ما تقوم به الطبيعة وخطر معاكستها او استعجال عملها». يحملني على هذا القول الذي ما فتئ الانسان يردده منذ القديم، الحادث التالي:
ذهبت احدى نسيباتي الى طبيبها المولد وبعد اجراء الفحص افهمها انه سوف يأخذ عطلته في الاسبوع القادم ولذا لا مانع لديه من ان تدخل دار التوليد في صباح اليوم التالي ليقوم باجراء عملية الوضع رغم انه لم يزل امامها ما يقارب الثلاثة اسابيع للموعد الطبيعي. ورغم انه لم يكن قد طرأ على بال السيدة امكانية التلاعب بموعد التوليد فقد قبلت العرض ثقة منها بطبيبها. وكم كانت فرحة الزوج بالنبأ واعجابه بتقدم الطب الذي وضع حداً للقلق الذي يسيطر على البيت في الايام التي تسبق موعد الوضع. فقد اصبح بمقدور الطبيب ان يوجّه التوليد فيحدد اليوم والساعة بنفسه ولم تعد الحامل تحت رحمة الطبيعة. غير ان الصدمة كانت عنيفة بعد المضاعفات التي حصلت بسبب التلاعب بموعد الولادة الطبيعي وكانت نتيجته اصابة نسيبتي بنزيف كاد يودي بحياتها وحياة المولود.
ما هي طبيعة تقديم موعد الولادة او كما تسمى «الولادة الموجهة» التي تتم حسب ارادة الطبيب والموعد الذي
يعينه لا كما شاءت الطبيعة ان يكون؟ المعلوم انه اثناء فترة الحمل يستقر الجنين في الرحم وعند الوضع تتقلص عضلاته مما يسبب الألم ويتفلطح شكله فيضغط على الجنين. وتحت هذا الضغط تنفرج فتحة الرحم ويتسع الممر فيندفع الجنين الى الخارج. وتتم هذه العملية نتيجة لتحول كياني وذلك بمجرد عودة التوازن الهرموني الذي يكون قد تغير اثناء الحمل الى وضعه الطبيعي. ففي
«الولادة الموجهة» - كما اسميناها - يقوم الطبيب المولد الذي يريد تقديم موعد الوضع بحقن الحامل بمواد تعيد هذا التوازن الهرموني الى وضعه الطبيعي - والرحم لا يفرق بين الفرز الهرموني الطبيعي او الذي يصله بواسطة الحقن - فتتحرك رأساً عملية الوضع.
ولكن ما هي الحكمة من استعجال عمل الطبيعة وهي التي لها اسبابها في تحديد مدة الحمل بتسعة اشهر؟ لا شك في ان الشهر الاخير هو اشقى واتعب التسعة، ففي اثنائه يبلغ الجنين حجمه الطبيعي
ويثقل حمله ويتضخم حجم الام بشكل ظاهر فتعيش طيلة هذا الشهر في دوامة من القلق تتجاذبها فكرتان فكرة الخوف من الالم وفكرة الخلاص. وفي وضع كهذا يصعب على الام رفض فكرة الطبيب «المنقذ» الذي يعرض وضع حد لكل هذه الهواجس والمتاعب. هذا عدا غيرها من الاعتبارات التي تبلغ في بعض الاحيان حد السخافة كتلك الممثلة التي لا تريد ان تخسر عقدها نتيجة لشكلها، او - وهنا مهزلة المهازل - الحامل التي تتعجل الوضع لتأمين البرج المناسب لوليدها!
ولكن هل على الطبيب التوقف عند جميع هذه الاعتبارات لتبرير اللجوء الى التلاعب بموعد الوضع الطبيعي؟ كلا - يجيب الدكتور دانيال مورتن احد أئمة التوليد في الولايات المتحدة. ففي غالبية الاوقات يغفل الطبيب المولد تنبيه الحامل الى الاخطار والمتاعب التي تتعرض لها في تقديم موعد الولادة.
فعملية كهذه تتطلب طبيباً مولداً خبيراً كل الخبرة يكون بإمكانه تقدير مدى تقدم موعد الولادة ليقوم بتحريكها. وكثيراً ما تخطئ الحامل وطبيبها في تحديد تاريخ الوضع. فلأقل تقلص في الرحم خلال شهرها الاخير ينتج عنه الالم فيعتري الام الخوف وتسارع الى طبيبها الذي يعمل بدوره على تحريك عملية الوضع قبل موعدها معتمداً في ذلك على احساس الحامل. وماذا تكون النتيجة؟ تشنج في عضلات الرحم الذي ألجيء الى العمل قبل الاوان دون ان يتمكن من اخذ وضعه الطبيعي الذي وصفناه اعلاه فتنتج التهابات قد لا تنتهي