في ضيافة فيروز
والرحبانيين
... طبيعي الا نتطلع ، في ضيافة فيروز والرحبانيين ، الى ما يشبع ويروي اجسادنا ، بل الى ما ينعش نفوسنا الظمأى ابداً الى الجمال ، مرددين قول الناصري : « ليس بالخبز وحده يحيا الانسان ! »
والذي يهزنا ونحن نطيل الاصغاء
والرنو الى ركن انيس تنطلق منه اغاني فيروز ، آناً متموجة صافية ، وآناً نابضة متوجعة - ان هذا الذي يهزنا ليس الطرب وحده ، بل هو الطرب مضمخاً بانسام من الجنة لا ندري كيف تهب علينا ، ومن اين ؟
واذ كلنا في غمرة الانتشاء ، تبحث عيوننا عن فيروز نفسها فنلقاها منهكة في مطبخها ، اما تعمل السلطة او تشك اللحم بالشياش ... واذ نستدعيها الينا بالحاح لتعطر نشوتنا بجوها الحلو ، تروح تلفت انتباهنا الى مقطع موسيقي هنا ، وآخر هناك حيث تأتلف النغمات وتتعانق ... هو حنا لعاصي !
ومتى اشرنا في جولات نقاشنا الفني الى المجد العريض الذي احرزته الحفلة الشعبية في بعلبك واحتدم الجدل حول ما علقت عليه الصحف ... واتجهت الانظار صوب فيروز لتقول كلمتها ، طالعتك عيناها « المربيتان » عن فرط قلقها على صحة طفلها زياد ، او روت لك ببسمتها الطفولية البريئة آخر نكتة جرت على لسانه ...
اروع ما هنالك ، اتفقنا جميعاً ، ان فيروز ما تزال تعيش في عالمها المتواضع . لم تلفحها كبرياء الشهرة بنارها ، ولم تنل من قدسية امومتها - ومن هنا كانت لونها الخاص وجمالها الناصع الفريد ... ولو كان لكعب حذائها ان يعلو قيراطاً واحداً ... من يعلم ؟ لربما كانت فيروز واحدة منهن ... شوّه الزهو والكبر الكثير من رائع جوهرها الاصيل ..
صحيح ! هبة فيروز الصوتية نعمة من السماء ، لكن احداً لا ينكر فضل الرحبانيين : زوجها عاصي واخيه منصور هما تعهدا الغرسة الصالحة رعاية وسهراً ،
ومن وحيها هي، تفجر ينبوعها وفاض عطاء دافقاً، واكتمل الثالوث في انسجام لا اروع ولا اتمّ !
في الاسواق اليوم دفعة جديدة من اغاني فيروز - لعل افخمها اسكتش «راجعون» الذي دلل فيه الرحبانيان عن وطنية صادقة لا غبار عليها . وفي خزانتهما زاد وفير ، فيه الدسم المالي الرأس والقلب كسكتشي : « جيران
البحر» و «القطاف» - هنا حلق منصور شعراً ولحناً اي تحليق وبلغ شأواً فنياً لم يسبقه اليه احد . واستمعنا ايضاً من هذا النتاج الجديد الى اسكتش «الغربال» «الحب القديم» ، «سمعنا» ، «عين الرمان» و «عربة لميا» والى ضمة من الطانغوات العاطفية الرقيقة والى كثير غيرها -
هذه الثروة الفنية في حوزة الرحبانيين سجلت اخريات ايام «محطة الشرق الادنى»



