« هنا يسجد الانسان مرتين ، مرة لله ومرة للفنان » .
قلت هذا ونظرت الى رفيقي ، بانتظار جوابه ؛ غير انه هو ايضاً كان غارقاً في نشوة روحية تباعد بين الانسان والارض التي تنتهي عندها قدماه ...
كانت الشمس قد توارت ، ولف روما وشاح بنفسجي اللون ، وبدت الاسواق شبه خالية الا من بعض المارة ، ينقلون خطاهم بسرعة كيلا يفوتهم لحظة من الليل ، وازهار روما لا تتفتح الا عندما يقبل الليل ... وبدت التماثيل المغروسة في كل زاوية صامتة ، مستكينة بين الاغصان الخضراء ...
كنت اتساءل عما ينشد هؤلاء ؟ اين يصرفون الاوقات ؟ في اي اوبرا ؟ .. او منتدى ؟ وهل يكتفون بسهرة واحدة ومائدة الليل تنبسط امامهم بالف طبق ؟ .. كنت اتساءل بدهشة ، عندما شعرت بيد رفيقي تضغط على ساعدي ، وتقودني داخل بوابة ضخمة ، الى كنيسة « سانتا ماريا ماجوري » ...
اسم غريب وما في داخلها اغرب ... لقد اغمضت عيني اكثر من مرة ، ثم فتحتها لاتأكد اني لست في حلم من تلك الاحلام التي كانت تحيط حياتي طفلة ؛ تماثيل الملائكة ترفرف باجنحتها الذهبية في كل ركن ، والنقوش البديعة تتلون ، وتتقلب ، ويتعالى في الاجواء اكثر من صدى ، فهذه فئة من المتعبدين تبتهل بهمس ، وذاك فريق من الشباب ، يرنم بحماس ... شباب اتوا من عشرات البلدان ، ليرنموا هنا ، ويسبحوا الله ... ومنظر الشباب يتعبد ، يثير في النفس تيارات من الاحاسيس الغريبة ؛ ورأيتني ابكي ، لان ليس لي الصوت المرتفع بالترنيم ...
هؤلاء يعبدون الله بالانشاد ، ولكن « مايكل انجلو » ، « ورافاييل » ، « وليوناردو دافنشي » ، وعشرات سواهم عبروا عن عبادتهم بالازميل ، والريشة ، وبدم القلب الذي اهرقوه فوق جدران الكنائس او لونوا به ارضها ..
والفن في ايطاليا ، حكاية يعرف اولها ، ولكن لا احد يعرف اين تنتهي ! .. ومرة وانا امام احد التماثيل ، تمنيت لو اعيش اجيالاً لاتمكن من قراءة اكثر فصول الحكاية ..
في مدينة الفاتيكان فصل منها ، كتب بالسجاجيد العتيقة التي اهدتها الاجيال لباباوات روما ، وتلونت بعض الحروف بقطع الذهب ، والمرمر ؛ واستحمت بالبخور وعرف الاجيال ... اي كنز هذا الذي في مكتبة الفاتيكان ، اعظم مكتبة في العالم والتي ، لو رصفت محتوياتها امتدت على مسافة ٦٥٠ كيلو متراً ... وماذا اقول عن


