اللوحات الفنية المتعانقة فوق السقف أو الجدران، وكلها قطع فسيفساء حبكتها أنامل أشهر عباقرة الفن في إيطاليا.
وفصل آخر يطالعه الإنسان في كنيسة مار بطرس؛ هذا تمثال «حامل مفاتيح السماء» أنه لا يزال على قوته وجبروته، وإن كان مصنوعاً من البرونز لا من لحم ودم؛ والشاهد على جبروته قدمه اليمنى التي ذابت إحدى أصابعها من لمس الشفاه المتعبدة ... لقد أرادهم «مايكل أنجلو» أن يعبدوه في عبادة دينهم، ويعبدوه أيضاً في رائعته «بييتا» ... الأم المفجوعة بابنها؛ العذراء الكئيبة والجسد المرتخي فوق حضنها، لقد انطق الفنان أثره هذا في شرايين الجسد الدقيقة، وفي الدمعات الخرساء على خدّ الأم ...
والفنان الذي وضع الدين المسيحي ركناً يبقى خالداً ما دامت ألوان ريشته، وآثار أزميله السحري، لم يكتف بالتعبد، بل رافق الإنسان خارج الهيكل، رآه في عنفوانه وضعفه، في أفراحه وأتراحه، وترك بدعة عن كل خاطرة؛ وقصر «آل مديسّي» في فلورنس واحد من عدة شواهد، ففي إحدى قاعاته أربعة أجساد يمثل كل منها وقتاً من اليوم، فهنا الفجر الليلكي وهناك الغسق الناعس، وهذا النهار القوي، وتلك الظلمة المروعة !...
وما يقال عن مايكل، يقال أيضاً عن «رافايل» ... واكتفي بشاهد واحد من كنيسة «سيستيني» غرفة الإمبراطور قسطنطين وقد ترك على جدرانها خمسمائة واثني عشر رسماً، تمثل أشخاصاً يختلفون في إعمارهم وأشكال وجوههم، وأزيائهم، وحتى في الأوضاع واللفتات. ويذكر أهل روما الفنان «برنيني» كلما شربوا من عين ماء أو مروا في شارع، فقد ترك لهم في كل منعطف أثراً؛ تماثيله تحرس ينابيع المياه، وزوايا الشوارع، وتزين قاعات الملوك؛ ومتحف «فيلا بورغيزي» يحتوي اليوم كثيراً من بدائعه، أشهرها «بولينا» شقيقة نابوليون التي تزوجت أحد أمراء هذه الأسرة وتمثال «سارق الفتاة الجميلة»، وفيه أدق التعابير والتفاصيل ... أما «بولينا» فلا تزال مسترخية فوق سريرها الحريري، تحلم مع الأجيال، بالأخ الذي هجره الجميع، سواها ...


