« كنت حتى امس ، اعتقد ان الدائرة الوحيدة التي يمكن ان نثق بها ، نحن المواطنين المساكين ، هي مركز البريد ... ولكن بالامس حدث ما صدع ايماني وغير رأيي » .
وكدت اكفّ عن الاصغاء لصديقتي ، لاعتقادي بان الشكوى اصبحت طبيعة ثانية عندنا ، وباتت آذان المسؤولين مسدودة لكثرة ما تسمع من التأفف والنقد السلبي ؛ ولكن صديقتي دعمت كلامها بقصة واقعية ، وليس للمرء مفرّ من مواجهة الواقع . قالت جنان :
« ليس خبر زواجي جديداً عليك ، كما انك تعلمين انه تم دون ضجة ولكننا لم نتمكن ان نهرب من التقاليد حتى النهاية فحددنا يومين من الشهر الماضي لاستقبال الاهل والاصدقاء المهنئين .. وكان من الطبيعي ان نرسل بطاقات دعوة لكل منهم ، ولكن القدر ، عفواً ، ادارة البريد ، تدخلت في الرواية ، وجعلت منها مهزلة اكيدة ؛ فقد انتظرت ان ارى الاصحاب والاقارب في هذين اليومين ، ولكن واحداً منهم لم يحضر ، واتصلت استوضح الاسباب ، فتبين لي ان البطاقات لم تصل ، وذلك بعد مرور عشرين يوماً على ارسالها من العاصمة الى قرية ضمن الحدود اللبنانية ..
وذهبت بنفسي الى دائرة البريد اطلب مواجهة المدير المسؤول فقابلني حاجب يقول : ان الاستاذ « طيارة » غائب .. وسألت عن المفتش ، فقيل لي انه لم يشرف بعد ، هذا مع العلم ان الساعة كانت قد تجاوزت الحادية عشرة .. وارشدني موظف الى الاستاذ « شختوره » وقيل لي ان هذا يحل المشكلة وتبين لي ان الاستاذ الكريم غير مسؤول عن الرسائل خارج البلدة ... ولم اجد بداً ، بعد هذا ، من
اقتحام الغرفة التي تحزم فيها الرسائل ، فطمأنوني ان البطاقات ارسلت في نفس النهار .. ثم لم يعد هناك كلام ...
وعدت اجرّ يأسي وخيبة املي ..
وتابعت صديقتي :
« لم اخبرك ان الرسائل وصلت ، ولكن بعد شهر ، وربما كانت في «الديبو» وايقظتها زيارتي من سباتها العميق .. ثم اضافت :
« ان الاسماء التي وردت في الرواية حقيقية »
بقي لنا امل واحد هو الاستنجاد « بالطيارة » و « الشختورة » لقمع هذه الفوضى ، فلا يعود المواطن يضع يده على قلبه وهو يسقط رسالته في صندوق البريد ... او يستجير بالملائكة ، ويتمتم التعاويذ ..



