فتطلب منها الام ماري ان تعود معها الى الدير فتصرخ بلانش :
ـ كلا .. لا اريد ان اموت .. اتركيني في بيت والدي .
ـ ولكنك معرضة للموت هنا في كل دقيقة .. وقد جئت لخلاصك يا بلانش ...
ـ خلاصي ! .. وهل نحن في مأمن من الموت في الدير ؟ ..
ـ هنالك أمر اشد خطراً على النفس من الموت يا بلانش .. ! لقد جئت لاخلصك من هذا الخطر ...
ـ كلا .. كلا .. لن اعود ..
ـ بلى ستعودين غداً .. اني متأكدة من ذلك ، ايتها الاخت « بلانش لآلام المسيح » ! .

المشهد الاخير : ساحة الثورة - المقصلة ..
تنزل راهبات الكرمل من عربة الاعدام وقد ارتدين البسة بيضاء وجززن شعورهن كي لا تلمسها سكين الجلاد ووقفن صفاً ينشدن Veni Creator جئتك يا إلهي ؛ وتخرج الانغام من افواههن صافية ثابتة ، وتعتلي الواحدة بعد الاخرى درج المقصلة وتختفي عن الانظار لتليها الثانية والثالثة الى الاخيرة صغراهن الاخت كونستانس صديقة بلانش الحميمة ، وكانت تعتلي السلم وصوتها مرتفع لوحده كصدى ضئيل للاصوات التي سبقتها الى الابدية .. وترنو منها التفاتة الى الوراء .. صوت هادئ ضعيف يرتفع منشداً بين الجمهور ...
الاخت بلانش تسير بخطى ثابتة نحو المقصلة وتكمل النشيد وتعتلي منصة الاعدام بشجاعة وهدوء فيستولي على الجمهور وجوم ويرمقها الكل بوقار واستغراب . وتلتقي نظراتها بنظرات كونستانس فيرتسم على محيا كل منهما ابتسامة ملائكية ترافقها الى ان تختفيا عن الانظار والاسماع ...
الاستشهاد - القداسة - موضوع لطالما شغل برنانوس فنسج حوله مؤلفات وخلف منه ابطالا متعددي الاجناس والظروف صعدوا الى هالة القداسة بعد نزاع طويل بين عوامل الخير والشر وبعد انصهار النفوس في بوتقة الآلام المطهرة وبعد ان عرفوا التواضع والفقر والذل والحرمان . على ان جميع هذه السبل الملتوية والتوق للانفلات من ربقة الخطيئة الاولى لا تجدي نفعاً ما لم تكمل ببركة النعمة التي يسبغها الله على مخلوقاته حينما يشاء .
ويتميز ابطال رواياته بكونهم محرومين من نعم الدنيا ، لا بل هم في الغالب مصابون بعاهات وراثية وبضعف يحرمهم من احترام المجتمع الذي يعيشون فيه ويودي بهم احياناً الى التجربة الكبرى والاستسلام لليأس القتال . فمن بينهم المسلول والمصاب بداء السرطان والفقير الجائع والخائف والعصي المزاج والبليد الذي يستثير ضحك رفاقه وهزءهم . على ان هذه العاهات الجسدية والنفسية التي يعاني من اجلها اصحابها الآلام المبرحة اذا ما قبلها الانسان وتحملها بقوة الايمان كجزء من الآلام الالهية على الصليب ليلة الجمعة المقدسة ، فعلت فيه أعجوبة الخلاص المتجددة ورفعت به من
وحل الخطيئة ، وحشرجتها الى هالة القداسة ونعمتها .. ولعل خير مفتاح يوصانا الى سبر غور هذا الادب الصعب هي العظة على الجبل حيث العهد والامل لانقياء القلوب ، للفقراء ، للمتواضعين ، للمرذولين ، للحزاني ، للجائعين من اجل البر .. هذه هي الوجوه التي بلورها برنانوس في ادبه ، وجاء وجه « بلانش » على المقصلة متمها ومكللا سلسلة الابطال القديسين الذين خلقهم هذا الكاتب العميق في ادبه الحديث وكان «حوار الكرمليات» آخر قطعة نبشها المؤلف من اعماق الروح ومن التراث المسيحي الذي نشأ عليه وترعرع بنعمته طيلة حياته ..
لقد مثلت هذه المسرحية في فرنسا للمرة الاولى على مسرح « هابرتو » في سنة ١٩٥١ واعيد تمثيلها دورة ثانية في سنة ١٩٥٧ وعدت من اولى القطع التي عرفها المسرح الباريسي بعد الحرب الاخيرة . وقد عرفت الممثلة والمخرجة المعروفة « مارسيل تاسنكورت » كيف تستغل قوة التعابير التي يتميز بها ادب برنانوس فجاءت زينة المسرح بسيطة جداً لتترك الاهمية للحوار الداخلي والاسلوب البسيط العنيف الذي كان يعبر عن اعمق العواطف وادقها بأقل عدد من الكلمات وابسطها ..


