شاء القدر ان تكون بيروت هذا الشهر مركز الثقل العربي والدولي . فالدورة الرياضية العربية التي انعقدت فيها في ١٢ تشرين الاول بحضور جلالة الملك سعود عاهل المملكة العربية السعودية ، وفخامة الرئيس شمعون ، كانت حدثاً عربياً هاماً ، سجّل في تاريخ لبنان الحديث صفحة خالدة من صفحات كثيرات خالدات لصاحبي الجلالة والفخامة الملك سعود والرئيس شمعون . فلولا غياب مصر عن الدورة الرياضية العربية ، لكان بالامكان القول : ان الشمل العربي قد اجتمع كله في العاصمة اللبنانية ، بشباب رائدهم تقريب الآراء وتوحيد الصفوف في سبيل القضايا والمصالح العربية . وقد يكون لمصر عذرها في هذا الغياب . وقد نكون نحن مصيبين في قولنا : ان انعقاد الدورة في بيروت ، كان من ابرز الوسائل وأفعلها في معالجة الموقف الدولي الذي طرأ على الشرق الاوسط . فبعد ان قدمت سوريا شكواها الى هيئة الامم المتحدة ، على تركيا ، متهمة اياها بحشد جيوشها على الحدود ، بقصد عدواني ، انهالت مذكرات التحذير السوفياتية الى اميركا وتركيا وحلفائها ، بان موسكو ستساعد الدولة المعتدى عليها ، وتضرب بالحديد والنار ، والصواريخ والاقمار ، انقره وواشنطن ،
تأديباً لها . واتخذ الموقف في الشرق الاوسط ، وخاصة على الحدود التركية السورية شكلاً جدياً ومتأزماً للغاية . وبات الناس يحسبون الف حساب لحرب واقعة لا محالة في هذه البقعة من العالم . ثم اجتمعت الجمعية العمومية ، فكانت ، كالعادة ، مسرحاً للخطب ، المدعي يحمل على الخصم بكل وسيلة ، والمدعى عليه يتلقى الضربة متظاهراً بالصبر والجلد ، ويرد ما امكن عن نفسه وحقوقه . ثم تؤجل القضية كالمعتاد ايضاً مدة ثلاثة او اربعة ايام . وهكذا تم بالفعل في قضية الشكوى السورية .
المهم ، ان بيروت التي انتقل اليها مركز الثقل الدولي والعربي ، هذا الشهر ، عملت اكثر من الامم المتحدة لحل الازمة ، وتخفيف التوتر الذي ساد الشرق الاوسط بأسره .
فقد قام صاحبا الجلالة والفخامة : الملك سعود والرئيس شمعون بدرس الوضع الراهن على ضوء المصلحة العربية الواحدة ، وأجرى جلالته اتصالات مع الجانبين التركي والسوري ، كما قام فخامته باتصالات مماثلة مع سفراء الدول الكبرى والدول العربية ، أدت ، والحمد لله ، الى انقشاع غيمة الحرب ، والتشاؤم بالنتائج التي ستؤول اليها الحالة بين تركيا وسوريا . ثم صدر البلاغ اللبناني - السعودي ، عشية سفر الملك سعود الى
الرياض فأكد هذه المساعي ، وأظهر إلى اي مدى يقف لبنان والسعودية ، بل والدول العربية جمعاء إلى جانب اية دولة عربية في ظروف مماثلة .
غير ان هنالك شيئاً ، كان جديراً بلفت الانظار المراقبة ، وهو انه ، فيما كانت هذه الضجة قائمة ، والاتحاد السوفياتي يزيدها بأساً وقوة ، كان القواد الاتراك لجيوش البحر والجو والبر ، يقدمون استقالاتهم ، لخوض معركة الانتخابات العامة التي ستجري في ٢٧ الجاري ، كما كان الرئيس بايار ، والرئيس مندريس يناهضان الحزب المناوئ يخطب لاهية ، سعياً وراء النصر في هذه الانتخابات ؛ وهكذا كان المراقب العسكري والدبلوماسي على صعيد واحد من الرأي ، وهو ان تركيا بمسؤوليها عسكريين ومدنيين ، وبشعبها على الاجماع مهتمون بالحالة الداخلية ، اكثر منهم بما يقول خروشوف عن تركيا ونواياها ازاء سوريا جارتها ، وبما اطلقه من تهديدات واتهامات .
ومهما يكن من امر هذه التهديدات والاتهامات ، فقد شغل الغرب بها ايما شغل ، فاطلق المسؤولون الاميركيون تهديدات مماثلة واتهامات اقوى ، الى الاتحاد السوفياتي ، وعلت الاصوات في العواصم الغربية ، مطالبة بتوحيد الكلمة الغربية ، وتوثيق التعاون العلمي


