ان كثيراً من الجرائم والفواجع التي تحدث بين البشر تعود مسؤوليتها الى حملة الاقلام وواضعي القصص والأغاني والافلام . هؤلاء الذين يستغلون الاوضاع القائمة في مجتمعنا ويسخرونها لترويج بضاعتهم وتأمين المكاسب الفاحشة من ورائها . ولعل موضوع الجنس اكثر المواضيع تعرضاً لغزوهم . فهم يستغلون الحظر والتقييد الذين يحيطان به ويستثمرون ولع الاحداث والفتيان والفتيات بالاخبار التي تثير العواطف وتلهب الخيال .فيخلقون لهم القصص الغرامية المثيرة ويصورون لهم الحب الجنسي تحت الوان صارخة عجيبة مغرية . اذ يزعمون انه اروع العواطف واشدها سطوة . وانه داء يفتك بالبشر ولا سبيل الى الخلاص منه . وانه من العظمة والروعة بحيث يستحق ان يُضحى لاجله بكل شيء . وان الحياة باسرها تجمعها كلمة حب ، فهو الامر الناهي والعيش بدونه فراغ .مثل هذه الآراء ما زالت تؤلف محور الروايات منذ وُجدت الروايات ومخترعوها . وما زالت تتكرر في صور والوان مختلفة . ولكن ما هو نصيب هذه المزاعم من الصحة ؟ واية حقيقة في قصص يكرر بعضها بعضاً ويغتذي بعضها من بعض ؟
عندما وضع لامرتين قصته الغرامية « جوسلين » قال في المقدمة : « كل رجائي ان تحتل مكاناً ولو صغيراً بجانب أتالا ورنيه » وكان شاتوبريان صاحب « اتالا ورنيه » قد استلهم « بولس وفرجيني » لبرنودين دو سان بيير . وهذا بدوره استوحى روسو في « هلويزه الجديدة » . وهكذا دواليك حتى تتصل السلسلة بقصة مدام دو لا فاييت الخيالية ثم بتريستان وايزولت وسائر حكايات القرون الوسطى .
اكثر هؤلاء الروائيين - بل جميعهم - لم يكونوا امناء للواقع .
وليس بينهم من اختبر الوقائع التي خلقها . وانما كان همهم ان يُلهبوا خيال قرائهم ويسعروا فيهم نيران التأثير والانفعال ويخضعوهم لسحر القلم وبذلك يضمنون لذواتهم الوف المدمنين على المطالعة السهلة التي تذكي المشاعر وتخمد الفكر . ولو انهم استلهموا الواقع لرأوا ان الحب لا يلعب في حياة المجتمع ذلك الدور الذي ينسبونه اليه .ان الحب قليل التأثير في اهل المدن المنصرفين الى اعمالهم ، الذين يستبد بهم السعي وراء المال والرغبة في تأمين حياة الوجاهة والرفاهية . لان عامة اهل المدن تجار وارباب صناعة . والتجارة تسيطر على جميع علاقاتهم بما فيها الحب والزواج . فهم يطلبون المرأة المثرية التي يتخذون ثروتها وسيلة لانماء تجارتهم . او يطلبون ذات المركز الاجتماعي المرموق التي تزيد مركزهم مناعة ورفعة .والحب اضعف تأثيراً في القرى التي يستبد بسكانها الانشغال بشؤون العيش ويستغرق اوقاتهم كفاح الارض التي لا تعطيهم خيراتها الا بالكد والصبر وعرق الجبين . فالمرأة عندهم رفيقة في الكفاح ومصدر النسل الكثير المرغوب فيه لتدعيم الاسرة والقيام باعمال الارض الشاقة .
ان الاعتبارات النفعية - كما نرى - تسود كل علاقة بين البشر في كل من البيئتين . ولا شأن فيها للحب الذي يعمي صاحبه عن كل شيء غير المحبوب ويضرب بالمصلحة الشخصية عرض الحائط ويجعل حياة المحب وعقله وقلبه وقفاً على الشخص الآخر ، لا يستطيع له نسياناً ولا يرضى بسواه بديلاً .
على ان الحب بمعناه الرومنطيقي قد يسيطر على ذوي النفوس الضعيفة او النفوس الشاذة ، وهؤلاء قلة في المجتمع . او يُنتظر ان يكونوا كذلك في مجتمع نال افراده مقداراً من الثقافة