في محترفه الصغير بالاشرفية جلست اليه ، وليس كالمحترف جوّ ينطلق فيه لسان الفنان ، ويتعرّى فكره . واصغيت الى قصته بشوق لازمني نحو سنة ، منذ احرز النحات الشاب ميشال بصبوص جائزة كميل شمعون ، في معرض الخريف الفائت .
تعرّف بصبوص على الفن ، مذ فتح عينيه للنور . فقد ألقى نفسه في جو فني محاط بالتماثيل والرسوم والاقلام والاوراق .. ذلك ان اباه الكاهن كان فناناً بالفطرة ، ولو ان ظروفه لم تيسر لفنه التهذيب والصقل ..
في الكنيسة اذن نشأ ميشال الصغير ، يخدم القداس لابيه ، وعيناه الزرقاوان المرهفتان تحدقان بالشموع المشتعلة الناعسة ، تكرج دموعها على قاماتها النحيلة البيضاء اشكالاً واشكالاً ، طالما اذهلت الصبي واعجبته ، فنزعها بتؤدة وراح يعمل مثلها ويحتفظ بمجموعتها لنفسه ... وفي قريته راشانا - البترون كان
يلاقي الحطابين في عودتهم مع الغروب وينتقي من احمالهم اعقاب الاشجار ذات الاشكال الهندسية اللطيفة ، وفي غرفته ينقلها او يرسمها او يكتفي بعرضها بين مجموعته .
تلقى ميشال بصبوص علومه الابتدائية وبعض الثانوية في وادي شحرور حيث كان ابوه راعياً للكنيسة ، وفي سن الخامسة عشرة هجر المدرسة نهائياً شاعراً بمسؤولية مادية ثقيلة تجاه اخوته القاصرين ، فنزل معترك الحياة ولكن ظلت عينه في الفنون ، وقلبه عليها ، حتى تسنى له دخول الاكاديمية اللبنانية ١٩٤٥ وهنا مكث اربع سنوات مرّن اصابعه واشبع حواسه ما سمحت له امكانات المعهد المحدودة وانتقل من الحالة البدائية الطبيعية الى التأثرية الموجهة . ولفتت مواهبه اهتمام المسؤولين ، واظهر تفوقاً في الامتحان ، احرز بموجبه منحة لدراسة الفنون والتخصص بفن النحت في فرنسا .
في سنته الثانية « بالمدرسة العليا للفنون الجميلة » في باريس وعى بصبوص شخصيته الفنية ، واحسّ انه لم يكن مخلصاً مع ذاته كفنان ، وان اشغاله ليست من النوع الذي يطمئن اليه . وهكذا هجر المعهد الفني وادار وجهه شطر المتاحف يؤمها ليل نهار ، ينقب ويدرس ويستطلع ... وفي اللوفر اكتشف شخصيته الفنية في آثار ما قبل التاريخ ... كان يشعر ان هذه


