اعجز عن رشف هناء فرحتي ، وحيدة وفي الخفاء ، فلا تقطب جبينك الوضاء معاتباً :
لنحفظ سر عودتي لي ، ولك .
فانا اختنق ، حتى ان لم اسألك انت : ولماذا عدت ؟
تعكر الابتسامة في عينك ، يؤنبني : علي ّ ان اندفع مجنونة اليك لامسح غبار النسيان عن ذراعيك ، عن قبضة الباب اللماعة ، عن خاطرك ... واسبل اجفاني السوداء ، لانشر حولنا خلوة ، في العتمة الموهومة . واخرس ، لتنشل الحركة في حواسي ، فافنى ، عندها ، بك ، وامسي انا ظلا تافهاً وتمسي انت جباراً يقتحم غرفتي متى شاء ، ليزوّق فيها نشوة او ليغزل في جوانبها خيوط العنكبوت ان تجرأت واغضبته .
اتذكر ترفعك الابله ، عن منحي هديتك الرخيصة ، والتي استمديت من طيفها القزم عونا على تحمل غيبتك ، شهوراً مطاطة ، لا متناهية ؟ سكب هذا الجماد في جسدي قدرة على فرم ألسنة الفضوليين وسحقها . واضاء امامي مغاور خيرات انسانية ، طمرتها لتقضي عليها اساليب تربيتي الجاهلة . السخيفة . المهدمة ...
فكيف اذن ، كيف اتقنت ميوعتك ترغمني لاتذلل لك منتحبة . مستغنية ، فتتفضل طاغيا تسامح ضعفي الخاشع بين قدميك ؟ كيف ، كيف امرتني بالحرف : اطلبي مني الهدية لاقدمها لك .
الفظي اسمها فقط ! فقط .. فقط .. ! بكل البساطة ، وفي سويداء خبيتي ، امرتك بدوري :
لنفترق ! ولتحتك كتفك بكتفي ، كل يوم فلا تكترث لوجودي . ولا اشعر بوجودك . اسمع ! لتتحول اعيننا الى خرز ملون . وشفاهنا الى نتف من الثلج . وايادينا الى قضبان يابسة . وارجلنا الى دواليب حديدية !
وقذفتني بعيدة .. بعيدة ، ضحكتك الماجنة ، الساخرة . وسطرت في مفكرتي الخضراء حلاً افضل ، يعيدني الى صوابي في نحيب شوقي اليك : « تخاصمنا . اوجدت نهاية لهذا الكابوس الرهيب . انه جبان ... جبان ... احتقره ... يجب ان ابتعد ... ابتعد ... »
لماذا عدت ،
هل عدت لنجترّ ماضينا ؟
لتزورني دقائق ، وتغيب اسابيع . لتضحكني لحظة ، وانتحب اياماً . لتغمرني بتحية اتباهي بها واعتز ، ولتتجاهلني ، عمداً ، امام اعين كل الناس ، فاتوارى في الزوايا ، يرهقني ذلي ؟
لا .. لا تقترب ،
اسند ظهرك فقط الى الباب ، واطعم التردد الزائغ على اناملك هزيمة مرة . وراقب تمزق عنفوانك على قدميك : قدم تصعق في زحفها الى قدمي ، لتتحسسها وتقبلها ، وتدفنّها في كل ليل حالك ، عاصف ! وقدم تستعد للهرب ، والتراجع
الى عرش تسميه ، كرامة ، شيده لك اجدادك الرجال ، من سلبهم براعم كرامة النساء ، من جداتي المضطهدات ! سألك ان يسترضيني شبان غيرك لألمم اشتات حياتي ، واذيبها في حياتهم فانعم بالاستقرار ...
حاول ان تفهم ،
فحياة الاستقرار عندي هي الموت ، وانا اود ان اتلذذ بالحركة ، بالخفقان بالتجديد . فلا تستغرب ان انزعك من نفسي ، من دربي . لاشق لي دربا حرة ، اختار فيها اهدافي .
لا تنبس بكلمة ،
فقد شبعت ثرثرة . والحب عندي مشكلة واحدة ، من مشاكلي اليومية ، المتشعبة ، المتنافرة ، واذا جئت مؤمناً بانك كل ما يهمني ، فاغرب توا عن وجهي !
انا ، ايها المتكبر ، ضائعة حائرة ، بين تركي العمل ، وكيف سندفع اجرة بيتنا الجديد اذا تركته ؟ بين سيجارة يحرقها اخي المراهق ، في الخفاء ، ليثبت رجولته ، وبين تلاشي آمال الوالد وذبولها مع التبغ المشتعل . بين تفتيشي عبثاً ، عن قلم الحبر الاحمر ، الذي ضاع . وبين تحديق قلم الرصاص اللعين ، في يدي . بين الالم الذي يهيج في ضرسي ، واذني ورأسي . وبين استجدائي لوقت كنت املكه ، فبعته بليرات ...
اللحظة ،
حطمت قيود العزلة المتعفنة ، التي حبستني فيها ... وها انا اتهادى بانشراح ، لاخلع غشاوة انانيتي وانانيتك على حافة الباب الذي تتكىء عليه ،