ما ادري ايُّ سأمٍ ممل كان يستولي علينا ، لو كان لحياتنا ان تظل تدور في رتابة سيرها العتيد ، دون ان يحلَّ عليها ، مرّة في العام ، « الميلاد » ـ عيد الطفولة والطهر .
مع عودة الميلاد ، نشعر بفيض من الرجاء والايمان يغمر نفوسنا ويجتاح صحراءها القاحلة ، كما يجتاح المدُّ الطامي الرمال الوادعة الحمراء .
ثمة تقاليد وعادات كثيرة تراكمت ، مع الايام ، ملازمة الميلاد : كإقامة الشجرة بزيناتها واضوائها ، وزيارة « اب الميلاد » ، وتبادل الهدايا ـ كلها اشياء ثمينة وحلوة تتجه في مغزاها نحو الاطفال ، لان صاحب العيد مولودٌ طفل . غير ان الميلاد ، مع ما يرافقه من مُتَعٍ ورفاهات ، يفقد معناه الاصيل العميق ان نحن جردناه عن فكرة « العطاء » و « النية الطيبة » نحو جميع الناس ـ ولا سيما الاطفال ـ اعني الناحية الروحية التي تقلصت مع الزمن على حساب الناحية المادية ... وهل كالميلاد مناسبة للاستعاضة عن الغول المفترس في صدورنا بالحمامة الوديعة ؟! هل كالميلاد فرصة لتعليم اولادنا حب العطاء والمشاركة ، وكون السعادة ليست في حوزتهم وحدهم على اكداس الهدايا والثياب والحلوى ، بل في اشراكهم بعض هذه الخيرات صغاراً مثلهم جار عليهم الدهر وحرمهم نعمة البحبوحة والسعة ؟
لنقرن عطاءنا لاولادنا ، في الميلاد ، بعطائهم لسواهم ، ولنسخُ نحن عليهم بقدر ما يسخون ... فليس كهذه الطريقة العملية سبيل الى توجيههم التوجيه التربوي الصحيح وتفهيمهم اهمية القيم الانسانية في عصر طغت المادة فيه على الروح .
وعيد رأس السنة هو بحق عيد التجدد والانبعاث معاً . فيه تعلق بالبال فكرة الثياب الجديدة الانيقة والسهرات المبهجة الصاخبة . وفيه ايضاً يقف الانسان هنيهة امام ربه وامام ضميره ، يؤدي الحساب عن اعماله في عام .
والانسان في حضرة ربه وحيال ضميره صغير ضئيل ، مهما تعاظم وتجبّر ، يعاين ذنوبه بمجهر ، فتصيب ذاته العميقة رعدة الندامة والتوبة وتستيقظ « انسانيته » من غفلتها .
وليس كرأس السنة مجال لتنفض الانسان « الانسان » كما يتنفض الطائر مع الفجر ليخلص من اقذار وشوائب اثقلت ريشه فيخفّ جناحاه ويسهل عليه الانطلاق والتحليق .



