«ها قد وصلت يا عزيزتي ... وسوف
اعود بعد ساعتين » قالها عادل وهو
يفتح باب السيارة؛ وهرعت الى المكتب
دون ان اعلق على قوله بكلمة واحدة،
كنت في حالة اضطراب شديد، وكان
رأسي في دوامة من الشك والغموض،
فليس هناك شيء واضح امامي، وافكاري
مختلطة مشلولة ...
جلست امام الآلة الكاتبة، وفي
اذني آخر صدى لهدير سيارة عادل، ولم
انتبه لحزم الرسائل، وكلها بانتظار النسخ
او الطبع من جديد؛ ورحت اتأمل
رسالة بدأتها قبل الغداء وحاولت اتمامها،
فتعذر عليّ ذلك وزاد الاختلاط،
وغامت الحروف في افق بعيد؛ كانت
امامي ساعتان لاقرر مصيري ... وعدت
بافكاري الى البداية؛ فاني احب ان
ابدأ من الاول في كل اموري، ولكن
اين كانت بداية موضوعي؟ هل في
قدومي الى هذا الكون؟ ولذلك حكاية
طويلة تبدأ في عشية احد الايام، حين
وطأت عتبة الوجود، مزودة بصراخ
امي، وصيحات الجزع ممن يحيطون بها؛
لقد كنت رسول الموت الى والدتي،
فتوفيت قبل ان تبصرني، وطار صواب
والدي، فلم يعد الى المنزل، وللآن لا
اعلم من امره شيئاً ... وهكذا لم يكن
هناك من يحتضنني سوى جدّي لامي،
وعشت معها عيشة الوحدة والشقاء، فلم
يكن لها المال الوفير، وكل ما اورثانيه
شهادة العلوم المتوسطة التي جاهدت
بمعونة بعض النقود، للحصول عليها؛ ولم
تمر فترة طويلة قبل ان ينتقل جداي الى
العالم الآخر، وبقيت انا اصارع الوحدة
وآلامها ...
تراني اصبت في الرجوع الى بداية
قصتي مع الحياة؟ ام اتركها لاروي
الحكاية التي سببت حيرتي وذهولي؟..
كانت شهادتي واسطة لكسب عيش
بسيط. فقد وجدت وظيفة لدى شركة
لاستيراد الآلات الكهربائية. وعملت
سكرتيرة لمدة خمس سنوات، ولا ازال،
الحياة هي هي.. فاني اشتغل ست ساعات
في اليوم، واعود مساء الى غرفة كنت
قد استأجرتها في شقة متواضعة، فاحضر
عشائي بنفسي، واطالع بعض الصحف
او الكتب ثم انام بانتظار اليوم الثاني..
لم يكن لي اصدقاء، ولم ابحث عن
الصداقة، اذ كانت بالنسبة لي، شيئاً
سخيفاً؛ كنت افكر بذلك حين اسمع
الزميلات في المكتب يتحدثن عن
اصدقائهن ويسردن مغامراتهن معهم؛
وكنت اسائل نفسي كيف يفكر المرء
باضاعة وقته سدى في صحبة صديق عابر
بدل اصطحاب كتاب؟.. ويبدو لي
الآن، ان الكتاب ليس كل ما في هذه
الدنيا من متع تحتاجها النفس البشرية،
وكذلك الطعام والشراب والنزهات...
هناك اشياء هامة نتجاهلها، وتبادلنا هي
شعورنا، غير انها تثور في كثير من



