لأنها مخلوقة لا عقل لها، كلا فهي تتمتع به الرجل، والفرق الوحيد أنها تطلب نموذجاً تتبعه. هذه هي صيحة المرأة، ما لم تكن هي قد اختارت النموذج في طفولتها فتروح تعلن أنها لن تكون إلا نفسها، وهكذا لا يكون هناك تأثير لنظرية رجالية عليها.
إن المأساة الحقيقية لا تكمن في أن النساء يطلبن نموذجاً لأنوثتهن، وليست أيضاً في أن الرجال يعطونهن هذه النماذج الكريمة من طراز الزوجات الطفلات، الفتيات ذوات الوجوه الصبيانية، السكرتيرات الماهرات، الورعات النبيلات، الأمهات المضحيات، الزوجات اللواتي ينجبن الأطفال ببرود بكر، البغايا اللواتي يتقبلن الانحطاط إكراماً للرجال... إلى غير هذه النماذج الجاهزة التي تحرم المرأة من أن تكون ذات إنسانية متكاملة. والرجل مستعد أن يقبل المرأة كذبة، سواء أكانت ملاكاً، شيطاناً، وجهاً طفولياً، آلة، صدراً، رحماً، خادمة، علامة موسوعية - أي شيء إلا أن تكون إنساناً، إنساناً حقيقياً أنثوياً.
وطبيعي أيضاً أن النساء يحببن أن يعشن النماذج الغريبة السحرية. وأحسنها بالطبع ما كان بعيداً عن المألوف والعادي بالقدر المستطاع.
أجل ليست هذه جذور المأساة، بالسخف في بياتريس، نموذج دانتي، مصدره لا إنسانيتها، فقد فرض عليها أن تظل عذراء نقية في حين استمتع هو ببيت وأطفال. ومع ذلك فهذا ليس أسوأ ما في الأمر، فالمرأة، إذا نجحت بعد لأيٍ أن تتكيف وفق النموذج
فسيكرهها الرجل لذلك.
وبالزواج تتحطم النماذج فإذا تزوج رجل معين من نموذج معين فسيبدأ يمل النموذج ويروح بجنون يبحث عن نماذج أخرى، أغنس النبيلة، بياتريس الطاهرة، الزوجة الطفلة، الخ. فمهما كان النموذج ومهما نجحت المرأة في تلبسه، فسيطلب الرجل غيره. وهذه هي مأساة الزواج الحديث.
إن المرأة العصرية ليست حمقاء، ولكن الرجل العصري أحمق، هذا هو أبسط تعبير للمشكلة، فهو يتورط في تصاميمه لأنه ببساطة يجهل كيف يريدها أن تكون، إننا نرى سرعة تغير النماذج وتعاقبها وما ذلك إلا رد فعل لهستيريا الرجال في تصميم النماذج. والنساء لسن حمقاوات ولكن لا بد لهن من نماذج، فهن يدركن حمق الرجال، وهن أيضاً لا يحترمن الا نموذج ومع ذلك يقبلنه وإلا فقدن مجال وجودهن.
أجل النساء لسن حمقاوات فلهن منطقهن أيضاً، وإن كان يختلف عن منطق الرجال. إن لهن منطق العاطفة، أما الرجال فمنطق العقل والمنطقان متضادان غير أن منطق النساء العاطفي لا يقل حقيقة وصراحة عن منطق الرجال العقلي ولكنه يعمل باتجاه مختلف.
والمرأة في الحقيقة لا تفقد منطقها العاطفي أبداً، فقد تصرف عمرها تعيش وفق نموذج معين، ثم في النهاية، ينتفض منطق العاطفة الرهيب فيها ويعمل على تحطيم النموذج إذا ما أعوزه الإشباع العاطفي. هذا هو التفسير الجزئي للتغييرات المذهلة التي تعتري النساء، فقد يعشن طويلاً بياتريس نقية، أو زوجة طفلة،
وفجأة تصبح بياتريس النقية الوديعة لبؤة مزمجرة، لقد فشل النموذج عاطفياً!!
— البقية على الصفحة ٣٨ —
