

ايها الراحلون عنا الى اين ؟ الى اين تذهبون وتتركون لنا هذه الجروح العميقة يحفرها الاسى في قلوبنا ، وتزيدها الآلام عمقاً كلما انضم الى قافلة الذاهبين حبيب عزيز . وقد يظن ان مرور الزمن كفيل بالتئامها ولكن هيهات ! ان الزمن يمرّ وهو يحجز في جروحنا نكأة اثر نكأة حتى تقصر يده عن دملها ، وحتى تعجز قدرته عن شفائها . بل ان هذه الهوّة التي يحدثها في حياتنا فقدان العزيز الغالي يتجاوب لها في نفوسنا صدى وحشة رهيبة ، وظلمة فراغ مخيف ، قد يزلق بنا الى مهاوي اليأس القاتل .
وقد يهيج بنا ثورة على حكم القدر القاسي ، وغضبة على نزول القضاء الصارم ولكنها تنجلي عن ثورة الضعيف الذي يستسلم صاغراً رضى او كرها . وأرى ان الانسان لقادر على ان ينتصر على نوازل الزمن بانواعها ولكن نازلة فراق الاحياء تحطم فينا كل ادعاء بالانتصار وتكبلنا باطواق من الغم لا تزال تعصر قلوبنا وتذيقنا من المرارة الواناً الى ان تفارقنا الحياة .
وقد بعث فقدان سلوى في نفسي
اشد ما يبعثه الموت من لوعة واوجاع وسُلخ عني معها جزء من هذه الحياة التي كانت تحمل معها ذكريات الطفولة العذبة وآمال الصبا البسّام ، ونعمة الصداقة الدائمة .
وانه ليتراءى خيالها لعيني الآن فلا اراها الا كالزهرة الشذية المتوارية وراء اوراقها النضرة ، او كالابتسامة الحيّة على ثغر طفل صغير ، او كالنسمة المنعشة في نفح الحر اللاذع او كالانشودة الشجية الخفيفة في فم طير غرّيد .
لقد مرّت في هذه الحياة وسارت في طرقها المتشعبة وفيها السهلة المسلك ، وفيها الوعرة المرتقى ؛ ولكنها اجتازتها جميعاً بنفس رضية وبسمة مطمئنة ناعمة
لا تضج فرحاً للفوز ولا تملأ الدنيا شكوى اذا تراكمت في وجهها الصعاب . وقد عرفتها الفتاة اليافعة التي تتدفق ذكاء وحيوية ولكنها لا تحدث قعقعة ولا تثير عاصفة .
وعرفتها استاذة تقود فتياتها الى سبل الخير والنجاح دون ان تؤذي حياتهن الغضة بتأنيب عنيف ، او تحاول تسخيف نزواتهن بتقريع جارح .
ثم رأيتها زوجة تبني للسعادة الزوجية وكراً غذّته من عصارة قلبها ، ونفحته طيباً من شذى روحها حتى جعلت منه صرحاً للهناء تتيه به على الزمن ، وهيأت للزوج فيه كل ما في طاقة الزوجة المحبة ان تمنحه للزوج الحبيب من عون وعطف وتدبير وحنان ، فكانت الزوجة المثلى
وكان بيتها مأوى الهناء الامثل .
وعرفتها اديبة تستوحي من الآم البشر مادة لقلمها فتلونه بالوان احاسيس الانسان ، وتبثه ما يعانيه الناس من فقر وحرمان ، او ما يلقون من قساوة الايام حتى تشعرك بانها تسكب في شقه من دم قلبها او من دمع عينيها . ثم تتحول فيه الى الاصلاح فتستوحي ما يصدر عن قلبها الكبير وما تنضح به نفسها السخية السمحة حتى احتلت في الادب النسائي المكان المرموق وساهمت في نهضة المرأة بنصيب ملحوظ .
وعرفتها سيدة مجتمع لم تسع الى فرض نفسها عليه فرضاً بل سارت رويداً تشق في محيطها طريقاً ، وتتبوّأ فيه
مركزاً لائقاً ، لا يشوبه تعال ولا يشوهه انكماش ، حتى لفتت اليها الانظار فاذا هي موضع الثقة ، واذا هي طلبة الروّاد .
وعرفتها في كل ادوارها صديقة تستميل قلوب صديقاتها برقة عذبة . لا تنقصها في المناظرة جرأة ولا تعوزها
