على ماذا ؟ الى المجهول ! نسير ، فتمر بنا حوادث او نمر بها ، وتبلونا الايام ونبلوها ... هنا نتعارك مع المتعاركين ونصخب ونضج بالحياة مع الصاخبين والضاجين . فنعطي لكثير من الاشياء ما لا تستحق من شوق نفوسنا فنترك شلاء من هذه النفوس فوق سراب . هنا على هذا الكوكب الدائر مزق من نفوس ضائعة هباء .
كيف استطيع ان اقرأ هذا الكتاب دون ان اثني اجمل النساء واخلصه على هذه الفصول الحلوة التي صورها تصويراً رائعاً والتي يجد فيها القارئ من اللذة والمتعة الشيء الكثير .
بل كيف ادع هذا الكتاب دون ان اعجب اشد العجب بعباراتها الرائعة الوجيزة التي تقدم بها قصصها التي صورت فيها الحياة ابرع تصوير ، فتقدم قصة « الحجة حنيفة » بقولها : « قليلون هم الذين يعطون ولا يأخذون . لقد رسمت في هذه القصة صورة لحياة النفوس الأبية التي لا تحمل على كاهلها منة جميل ولا تقبل بان تكون صنيعة معروف و احسان .
وفي قصتها « اديل » تروي لنا حياة خادمة فقيرة جاهلة قاست شظف العيش وكدحت مع الكادحين . كتب لها الحظ فسافرت الى اميركا لتتزوج رجلاً من الاثرياء . ولا يمضي عليها اكثر من عشر سنوات حتى تعود الى وطنها لبنان وهي متربعة على عرش الجاه والتجلي والثراء . فتحدث عنها المجتمع الراقي بأنها نابغة من نوابغ العصر وكاتبة من اعظم كتابه واكثر من ذلك فهي ام المحسنين .
هذه الاحاديث الحافلة بالمبالغات هي
التي تنتقل عبر الافواه والاسماع عندما يبتسم الدهر لانسان والعكس بالعكس .
وفي قصتها « اليتيمة » تحلل لنا سلوى نفسية تلك اليتيمة ، يتيمة الأب ، التي قست عليها امها بعد ان اتخذت لها زوجاً جديداً ، وحرمتها الحب والعطف والحنان بعد ان رزقت طفلة من هذا الزوج الجديد .
ان سلوى تدخل الى حياة الطفل من الباب الرئيسي وتقول : « انه يخطئ من يظن ان الطفل لا يدرك ولا يلحظ ما يدركه الكبار . بل ان الاطفال اشد حساسية وأعمق بفطرتهم سيراً في مجاهل الحوادث الطارئة من الكبار احيانا كثيرة » .
ونرى سلوى لم تكتب الا عن الحياة ولم تنسج احداث قصصها الا من واقع الناس . فهي تصف لنا في « الضحية » قصة ذلك الشاب الشاذ الذي تخلى عن كل المثل الطيبة وعاش مدللاً وحيداً بين اخواته ، لا تقف عقبة في سبيل اهوائه ونزواته ، يطيعه الأب والأم والاخوات منذ نشأته الى ان يبلغ دور الفتوة ، حتى اعتقد ان دونه سائر الناس وان مآربه يجب ان يضحى كل شيء في سبيلها وانه خلق للسيطرة والتمتع والتملك فلا معنى عنده لواجب او ايثار بل ان على الكل ان يؤثروه ويقدموا له ما يريد . ونتيجة لهذه التربية السيئة فان هذا الشاب المدلل وقع بفتاة مسكينة كانت له ضحية ولها سوء المصير .
اما مقالاتها ، فهي زاخرة بالحكمة نابضة بالحياة وتعالج مشاكل الحياة الاجتماعية . ومن يتصفح اعداد مجلة « صوت المرأة » يجدها حافلة بما كانت
تنشره سلوى الادبية من مقالات مختلفة دينية وأدبية واجتماعية .
في ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ، كتبت مقالاً في شهر كانون الاول سنة ١٩٥٤ بعنوان « ذكرى تتجدد » تقول :
« يا مولد الرسول : انك الحفقة في قلب الحياة تعيد دفقة النور في صحارى الضائر بين حبيباتها الرملية القاحلة البعيدة عن ينابيع الجود والمحبة والعدل والمساواة .
يا مولد الرسول : انت رعشة الشفاء التي تتحرك بالصلاة لله العظيم تطلب الرحمة للانسانية الطفلة كي تقدر على الحبو في دربها الطويل . وهل تكون الصلاة الا اخلاصاً وتجرداً وايثاراً واستجابة لنداء الخير المطلق . ما ائتلف ايمان مع بغضاء ولا تجرد مع اطماع ولا تعفف مع اثرة ، وما بعث الرسول الا رحمة من الله وهدى للناس الى الحق ، الى البر والتعاون والاحسان » .
وبمناسبة حلول شهر رمضان المبارك ، نشرت مقالاً في عدد حزيران سنة ١٩٥٤ بعنوان « وحي الصيام » تقول :
« رمضان ، لو ادرك الناس مغزاه ما صاموه كما يصومون ، ولو استلهم الناس وحيه ما اجاعوا بطونهم ، ونفوسهم متخومة بالترهات وقلوبهم مملوءة بالاطماع . رمضان شهر لحرمان الذات واعطاء الغير ، للتصوف ، للخير ، للمساعدة والخدمة والاحسان » .
وفي عدد حزيران نفسه سنة ١٩٥٤ ، لها قصة عن حياة فلورنس نايتنجيل تقول : « ان امثال فلورنس سيبقون لنا مثلاً
ـ البقية على الصفحة ٤٢ ـ
