ما تلاقي عندها الجيران . فتمسك «بالعود» تنسج عليه انغاماً عذاباً ، وتغني احيانا بصوت حنون . والحاضرون يصفقون او يردون معها بعض الابيات الغنائية : وكان هذا يطرب نديماً أشد ما يكون الطرب .
ولعل والدته ارادت بذلك ان ترفه عنه . فهي تعلم انه مرهف في الحاسية متطرف في الشعور . مع ما يحمل ذلك من اعصار لنفسه ولاعصابه . ( وقد سرها ان ترى على وجهه علامات الارتياح فخرجت معه من البيت بعد ان اوصت ابنتها الكبرى باخوتها .)
دخل نديم مع والدته بيت « الست بهية » . وكان دارة فسيحة جميلة وسط حديقة غناء . تناغمت بها الحان الماء الذي يكركر في الحوض المنخفض الرحيب مع هفهفة النسيم ، وهمسات النور الفضي الرقاق ، من السماء الصافية المرصعة بالنجوم الزهر في الليل الهادئ المطمئن . فصعدا سلماً جانبية عرّشت على درابزونها الحديدي ، اغصان عاشقة الليل ، بزهورها الناعمة . وقد عبق الهواء بعطرها نديا نفاذاً . كأن الازاهير تنشر بثها . وتُسرّ شجوها الى النفوس . بالاريج الزكي مطمئنة في هدأة الليل ، وفي ظلمته المتفاوحة الشفافة .
وتلقت بهية الضيفين ببهجة وترحاب فجازوا البهو الى ردهة داخلية . زينت ارجاؤها بالاثاث الفاخر والتحف الثمينة وانيرت بالانوار الساطعة . وقد جلس على ارائكها بعض الاصدقاء من الجيران . وجلست هي على مقعد منخفض تثرثر باخبار من جميع الانواع . ضاحكة طروبا . في جلبة ، يرتج معها لحمها المكتنز
وهي غارقة في مقعدها الوثير . ثم صفقت ، فحضرت خادم شابة ، فقالت لها :
- احضري لي شيئاً من الاكل الخفيف ، لآكل هنا . فلست اريد ان اترك ضيوفي لأتعشى في غرفة الطعام . ثم اشارت عليها بما تريد من الاكل الخفيف فاحضرت الخادم صينية رحيبة ، عليها قصاع وصحون . مدت في احداها سمكة مشوية كبيرة ، تزن ما يزيد عن الكيلون . وقد نثرت عليها اوراق النعناع والبقدونس وصفت حولها قطع من الليمون الحامض . وبجانبها صحفة بها قطع الدجاج المحمر . وفي صحون اخرى كان الخبز والزبدة والجبن
والفواكه النادرة . ودعت بهية الزائرين إلى مشاركتها بالطعام، فشكروا واعتذروا . واخذت هي تلتهم بشراهة غريبة ما في الصحون .
وفاحت رائحة السمك والدجاج . واهتاج الجوع في داخل نديم . وتجلب فمه . واخذ يبلع ... وابتدأ يشرق بريقه . وعبثاً أشاح بوجهه عن الصينية الرحيبة ، وما فيها . فقد كانت الرائحة تذكره بما عليها .
ان مثل هذه المآكل كان يأكلها في بلدهم الجميل ، يافا ، في بيتهم على الشاطئ ... اذ يحمل الصيادون القفف مملوءة بالسمك الذي يخفق ويتحرك . يصطادونه وهو ينظر إليهم من الشرفة. وانه ليذكر

