وزفّت نهلة عبدالله الى امين برهوم بحفلة كبرى وقضت واياه بضعة شهور برضى ووفاق . ثم ما لبث ان دبّ بينهما الخلاف . فهي تشكو الوحدة والملل وتكثر من زيارة خالتها ومعارفها في بيروت . وهو شديد الغيرة سيء الظن يريد منها ان لا تفارق القرية او البيت الا برفقته . هي تحب اللهو والتنقل وهو يؤثر ملازمة البيت . هي سريعة الغضب وهو كذلك . لكنه يحاول ملاينتها خوفاً من القيل والقال وهي تزداد عتواً وعناداً ... لقد نشأ في نفسها نفور من زوجها لا تستطيع التغلب عليه . وأخيراً صارحته القول : « انها زُوّجت منه رغمها . لقد خدعها الخادعون . فزواجها غلط فادح يجب ان تتخلص منه بالطلاق و بالهجر ... »
وعاد الوسطاء الذين سعوا في الزواج ـ عادوا الى التوسط لرتق الصدع وحسم النزاع . اخذوا يدعونها الى الاقتداء بأمها التي ظلت امينة لزوجها مطيعة له رغم فروق السن والطباع بينهما . احتملت منه ما لم تحتمله نهلة من زوجها . أليس عاراً عليها ان تتصرف هكذا ؟ وكيف يمكنها الطلاق والى اين تذهب وأهلها غير راضين عن سلوكها ؟
تكررت محاولات الوسطاء في سبيل التقريب بين الزوجين فكانت تنجح الى حين ثم يعود الخصام اسوأ مما كان . وظل الأمر كذلك بينهما عدة سنوات وليس منها من يلين للآخر . وحدث يوماً ان هددها بالقتل فهربت وأرجعها والدها بالقوة . ومرة حاولت الانتحار فاضطرت امها الى الاقامة عندها مدة تراقبها خوفاً من ان تحاول الانتحار مرة اخرى .
وكان الناس في خلال ذلك يكثرون من التحدث عن هذا الزواج ويتناقلون اخباره كعادتهم . فواحد يضع الحق على الزوج وآخر على الزوجة ويقابل بين الأم والفتاة ثم يردد : « من حيّ ورده تخلّف قرده » « الله ينجينا من بنات اليوم . شوفوا الفرق بين الأم وبنتها ! »
وهربت يوماً من بيت الزوج وفي نيتها ان لا تعود . وأخذت تنتقل من بيت خالتها الى بيت صديقة لها . وتسعى للحصول على وظيفة او عمل . فهزتني الحمية القديمة وآليت على نفسي ان اساعدها على الخلاص . وأخذتُ بدوري انتقل من صديق الى آخر ومن مكتب الى متجر . وبعد محاولات وجهود وفقتُ الى توظيفها في احد مصارف بيروت حيث تسلمت عملاً هيناً براتب مقبول . وشعرتُ بلذة المجاهد الذي قام بعمل انساني .
رأيتها بعد مدة في بيروت وقد هزل جسمها وتغير وجهها . ومرت بي كأنها لم ترني او لعلها تعمدت ذلك . وحين سألت عنها قيل لي انها سئمت هذه الحال وكرهت نفسها الشغل فهي تتمنى الرجوع الى زوجها بأي وسيلة كانت . وعلمتُ مؤخراً ان الوسطاء ـ رعاهم الله ـ قد نجحوا في اقناعه باسترجاعها وقد هدأت العاصفة وانقضى الصراع .
قال محدثي بعد فترة استراحة :
والان ما رأيك في هذه المرأة ؟ اما كان خيراً لها ان تسكت كما سكتت انها [...]
