بدلاً من ان تثور ثورتها الفاشلة وتعود الى زوجها بالخيبة؟ انها عاجزة عن التحرر، عاجزة عن العيش بنفسها. فخير لها ان ترضى بالزوج وان لم يُرض كبرياءها وان تقنع بالقليل ولا تحاول المستحيل.
قلت: اني افضل البنت على الأم، لأنها سعت وفشلت. والسعي مع الفشل خير من الجمود. والكفاح للتحرر وان انتهى بالخيبة خير من القناعة بالذل وقهر الذات. ان الثورة دليل الحياة وسبيل الحرية.
فصاح: وأي حرية تعنين؟ هل امرأة اليوم افضل تحرراً من امرأة الأمس؟ انها تنتقل من عبودية المنزل الى عبودية الشغل في مصنع او مكتب او مدرسة... واي فرق بين عبودية واخرى؟
قلت: كان الاهل يرغمونها على الزواج بمن يريدون اما اليوم فانها تتزوج بمن تريد.
قال وهو يقلب شفته: محض خيال!.. اتعتقدين ان امرأة اليوم اسعد من جدتها في الوصول الى فتى احلامها؟ ألا ترين انها غالباً ما ترضى باول طالب زواج خوفاً من ان لا يأتيها طالب آخر؟.. كان الزوج قديماً يعطي الزوجة مهراً او يقدم لها مالاً هدية الزواج اما اليوم فهي التي تشتريه بمالها او تغريه بوظيفتها او براتبها الشهري... ولا ادري اي الطريقتين اسوأ!... كانت امرأة الامس تقوم باعمال البيت. اما امرأة اليوم فتعمل في البيت وخارج البيت اي ان عملها اصبح مضاعفاً، ولا ادري اي الحالتين
اشد اغراء... ان عمل المرأة يتبدّل كالازياء. فالبارحة كنا نرسل شواربنا واليوم نبالغ في حلقها وفقاً للزي الشائع... بالامس كان الزوج يستنكر تشغيل امرأته خارج البيت اما اليوم فهو يشجعها على الشغل... على ان ذلك لم يَنقُص من عبوديتها شيئاً..
وتوقف عن الكلام يريد الراحة. وحين لم يلق مني جواباً هم بالانصراف ظناً منه انه قد افحمني لكني لم اكن مقتنعة بل قلت متحمسة مشيرة اليه بالاصغاء:
أنك مخطىء.. فالحرية شيء نسبي ولا يمكن الوصول اليها كاملة. ولا شك ان امرأة اليوم اكثر تحرراً من امرأة الامس، انها في الاعمال لا تزال مبتدئة مرتبكة لهذا تتبرم وتشكو الارهاق او الاستبداد. ولكن متى تحسنت حالة العامل وتعودت المرأة العمل خارج البيت اصبحت تجد فيه لذة وسلوى، فضلا عن كونه وسيلة تحررها الاقتصادي اذ يغنيها عن مِنّة الاهل وتحكم الزوج.. تلك الفتاة التي اخبرتني قصتها، لو تعودت الشغل قبلاً، لما وجدت فيه عناء ولا رغبت في العودة الى زوج لا تربطها به صلة.
ووقف كلانا عن الحديث عند هذا الحد. وقف محدثي لانه سئم الجدال واراد الانصراف. ووقفت انا لاني غرقت في التأمل ورحت اسائل نفسي: اترى الحرية وهماً كما يزعم؟.. انتخلص من قيود لنقع في غيرها؟.. لا. ليست هذه الحرية التي ننشدها.. ان العمل لم يحرر المرأة بعد. وطريق الحرية شائك
عسير.. ومشاكل المجتمع معقدة شديدة التعقد. هيهات ان تنحل بسهولة او في ظرف قصير.

