المدرسة له ولاخته الكبيرة واخيه الكبير اما بقية اخوته ، فقد ادخلتهم الى المدارس المجانية . وهم لا يزالون صغاراً . فهو في الثالثة عشرة من عمره . وهم دونه سناً .
لقد سمع والدته تقول ان والده مات متأثراً من جراحه . نعم انه ليذكر ... هناك ... حينما اتى الرجال يحملون والده خضباً بدمائه . وقد اصابه اليهود الغادرون برصاصهم . انه لا ينسى كيف كان صوت الرصاص يلعلع ويضرب مصاريع النوافذ ، لا سيما اثناء الليل . فيذهب بالنعاس من اجفانهم ... لقد اتوا بعد ذلك الى بيروت تاركين كل ما عندهم من اثاث ومتاع . كم كان في غرفته من اشياء جميلة ... يحبها ، ويرتاح لها ! ترى ... ماذا جرى بها الآن ؟
لقد مات ابوه في بيروت بعد زمن لا يعرف مداه ... مات وهو يبكي ... لانه غريب ، وهو يريد ان يضمه تراب بلده الفواح .
وتقدم من نديم احد رفاقه ، يعزم عليه ليأكلن معه كعكته . فرفض معتذراً .. وفي نفسه جوع يلح ويرغب . كلا انه لا يحب الكعك ... وهاجمه الارتباك لحظة وعاده الشعور بالجوع رغماً عنه . ورافقه الى الصف عنيفاً قاسياً .
وحان وقت الظهر ، ورأى التلامذة يتفرقون الى بيوتهم لتناول الغداء . بعضهم في سياراتهم الخاصة ، والبعض في سيارات المدرسة الكبيرة . وآخرون يصعدون الترام . او يدخلون مطعم
« ابو شفيق » ، قرب المدرسة ، فيأكلون عنده ما يريدون . فعنده انواع من الاطعمة اللذيذة ، يقدم منها ما يريد الزبائن . واحياناً يوعزون اليه بما يريدون منذ الصباح الباكر ، كيلا ينتظروا وهم جائعون . واخرج نديم صرته من محفظة كتبه ووضعها بالخفاء في جيبه . فهو لا يريد ان يراه احد من رفاقه يأكل تلك القطعة ، التي يبست ، من الخبز ، ومعها قليل من التين الجاف . اذ ربما اشفقوا .. او سألوا ... او تعجبوا ، وهو لا يريد من هذا كله . وبيته بعيد لا يمكنه الوصول اليه ، الا بعد مسير ساعة . ويكفيه هذا التعب في الصباح والمساء . انه اذاً كالمعتاد ، سيذهب الى «الكرم» القريب من المدرسة . فهو مهجور لا يقدم اليه احد وقت الظهر . وهو جميل فسيح معشاب . قد طال نبته ، ناضراً ندياً ، في بعض الاماكن ، حتى يوشك ان يخفي من يجلس بين خمائله المتموجة الخصيبة .
ما احلى جلسته هذه ! ودونه البحر ينبسط مزهواً بزرقته البهية . وموسيقى امواجه تصل اليه وتلامس نفسه ليّنة عذبة شرط ان لا يطل عليه احد ... ولا يعكر سكينته رفيق . وها هو قد جلس على الارض ، قرب جدار منخفض ، واحاطت به الاعشاب ميادة راقصة . وضع صرته في حجره ، واخذ منها الخبز اليابس ، واخذ يقضمه مع التين الناشف .. وودّ لو ان بجانبه ماء ليشرب فيسهل عليه اكل ما معه . فهو جائع يريد ان يطعم . ولكن ليس هذا النوع من الطعام . وشرد بذهنه ، ونظر الى بعيد على طول ما يمتد البحر دونه .
وطوف بخياله ... انه ليحب هذا البحر الذي يصل بينه وبين بلده ، هناك ... ان امواجه تصطفق على شطآنه ... الا ليته يستطيع ان يرافق هذه الامواج فيشرف على تلك الامكنة العزيزة ... التي نقشت معالمها في جنانه .
ترى ... ماذا جرى بتلك الطيور والحيوانات ... التي كان يحبها والده في بيارتهم الفسيحة ، التي لا يجدها نظر ؟ تشابك بها اغصان شجر الليمون ، وتبرق اثمارها بلون الذهب بين خضرة بهية لم يرَ لجمالها مثيلاً ... وازهارها البيضاء الناصعة ، كأنها ثلوج منشورة ، ترتعش بهجة لملامسة النسيم ، وتنشر الى بعيد عبيرها الزكي . هذه الاشجار . تؤتي اُكلها مرات عديدة في العام الواحد . وتلك البركة الكبيرة ذات الجدر الضخمة المرتفعة ... التي يوزع ابو امين الماء منها في السواقي لسقي الزرع . والجسر الجملي ... هناك ، في طرف البيارة ، فوق النهر الصغير ، الذي تتقلب مياهه فوارة صاخبة ، لا سيما فوق السد كأنها شلال . هناك كان ابوه يمسك بيده عندما يريد المرور خوفاً من ان تزلق قدمه ، فيسقط في الماء . والعصافير التي كان يصطادها له امين ... «والفرّ» ... ما ألذّ طعمها الله ... لو انه يستطيع ان يعيش ثانية تلك الحياة الهنيئة في هاتيك الربوع الحبيبة ! ترى . هل يعتني بها الآن هؤلاء اللصوص الذين اغتصبوها منا ؟ وهل يحبونها كما نحبها ؟ مستحيل انها بلادنا ... وهم غرباء عنها ... ولا يمكن للانسان ان يحب بلداً غريباً بقدر ما يحب بلده الاصيل .
ومدرسته في يافا ؟ لقد كانت صغيرة للاطفال . قرب دكان عبدالحليم العامرة
