
كثيراً ما ابتاع منها ما كل لذيذة ..
[لم] يكن مختار اين يأكل حينذاك . بل [كان ينتظ]ر ابوه في مثل هذا الوقت فيأخذه بالسيارة الى البيت فيجد اكلاً ساخناً و[فا]كهة مثلجة . وماء بارداً . فيأكل مع [وال]ديه واخوته . اما الآن ، فليس له اب [يأك]له او يعطيه ... واين هو من بيته [الآن] ؟ الله .. انه يشرف على هذا الغمر [كما] انه يقدر على السباحة لالتقاء على [الول]د . ولرأى شرفاته تزينها احواض [الزه]ر ، ولشاهد نوافذه مفتوحة . قد [انزاح]ت عنها الستائر المخملية الزرقاء بلون [الس]ماء .
وكان مستغرقاً في تفكيره ، حين [أطل]ت عليه ، فوق الحائط ، الذي يستند [اليه] فتاة ساحرة جميلة . كانت تقطف من [حديق]تها مشمشاً . وشجرة المشمش هذه [التي] امتدت منها غصون مثقلة بالثمر فوق [الجد]ار ، ونشرت ظلاً رطيباً فوق مجلس [الفتاة] في البستان . فرأت الولد الجميل [الجائ]ع . وتطلعت الى ما يأكل . فعصفت [في نف]سها شفقة ممزوجة بالحنان والحب . [فأم]سكت بيدها قسماً من ثمر المشمش [ونادت] الولد الصغير لتعطيه منها . فتنبه [نديم] مرتعشاً ، ترى ، من يناديه ؟ ومن [يريد أن] يعكر عليه صفو عزلته ؟ رفع رأسه [ليتع]رف صاحبة الصوت الندي . ورأى [تلك] الصبية الفاتن يرنو اليه . فاضطرب [ندي]م . ولم يقبل ان يأخذ منها ما تدني [اليه] فرمت اليه بغصن غض صغير مثقل [بالثمر] المذهب . يتلامع ناضجاً بعصيره [العذ]ب .
ولكن عاصفة من الكبرياء والشبع [هز]ت قلبه . فلم يلتقط الغصن ، بل حمل [حقيبته] ومضى ... لا بد انها اشفقت عليه
لانها رأته يأكل الخبز اليابس ... لا ... انه ليس بحاجة الى عطاء ، ولا يعوزه شيء من اي انسان . وهذا الخبز يكفيه ولا يريد ان يتصدق عليه احد بشيء ما .
سار قافلاً الى مدرسته . ويده في جيبه ممسكاً غداءه ، ووصل الملعب . ففتش في احد اركانه عن مكان منعزل . وهناك ، كانت تنهض شجرة عناب ، وارفة الظلال . والتلامذة الآن لا يزالون في بيوتهم الا قليلاً منهم . فهو سيجلس هنا يكمل اكله . جلس هنيهة ساهماً . ثم اخرج يده من جيبه ، ممسكاً خبزه الجاف ، وادناه الى فمه . وقضم منه لقيمات . واذا به يرى جمعاً من رفاقه يقبلون نحوه . فاخفى صرته في احد جيوبه ونهض يلعب مع رفاقه ما بقي من وقت الفرصة .
وفي المساء عند الانصراف - مشى على دربه المعهود . وكما اوصته امه ، مر في طريقه على احدى صاحباتها ليوصل رسالة شفوية اوصته بابلاغها اياها . فرحبت به الصديقة واعطته كيساً صغيراً ، من ورق ، مملوءاً بالكرز . وهي تقول له :
- هذه الكرزات من ( كرزتنا ، من الديار )
فرفض نديم اخذ هديتها وشكر واراد الانصراف . ولكن السيدة امسكت به ومنعته من الخروج ، واحاطته بذراعها مُدنية منه الكيس الصغير . وعبثاً حاول الافلات فقد ارغمته على قبوله ، فاخذه بيده مغيظاً محنقاً ، ومضى متوجهاً الى بيته .
مشى ، يضغط على قلبه الصغير شعور بالضيق ، فتح الكيس ، ونظر الى داخله فرأى حبات الكرز الكبيرة تنضح بحمرة خمرية قانية ... تبتسم له .
ما ألذها ... لمسها بأصابعه ... فحرقتها كأنها حبات من الجمر المتقد . كلا ... لن يذوقها ... لماذا ارغمته هذه السيدة على اخذ هذه الفاكهة ؟ لا شك في ان امه ستتألم ... سيسوؤها ان تراه لا يتمنع عن طعام الناس ...
شد محفظة كتبه الى صدره فسمع وسوسة من بقايا خبزه يتكسر . مد يده وتناول كسرة وضعها في فمه ... وبحركة غضبى تنطوي على الشبع كله . رمى كيس الكرز في حفرة على جانب الطريق . وتنفس الصعداء . واكمل طريقه ، وهو يمسح دمعتين تحدرتا على خدّيه .
منشور من وزارة الداخلية يأمر فيه بعدم السماح لأي اسرائيلي بالسفر خارج المغرب ما لم يثبت ويتحقق لدى المحافظة ان له مصلحة تجارية من وراء ذلك ، وذلك بمستندات الدور التجارية ، وبعد ان يعطي الضمانات الكافية ، وتحدد له المدة المعقولة التي سينجز فيها مصلحته في الخارج .
وعندما كنت في مدينة طنجة استعد للمجيء الى سوريا صرح لي الحاكم انه القى القبض في نفس اليوم على جماعة من اليهود كانوا يحاولون الهجرة الى اسرائيل فراراً .
وكل هذا مما لا يحتاج التنبيه اليه لأن لنا من عروبتنا واسلامنا ما يجعلنا نعمل لمنع الهجرة الى اسرائيل قبل ان ينبهنا اليها منبه .