اي شرف اثيل يكلل جبهة هذه الصبية ، ابنة العشرين ، وهي ملقاة الآن في زاوية عفنة بسجن الجزائر ، مشوهة الجسد ، محطمة الاعصاب ، اثر تعذيب وتنكيل نال واستبدّ وطال ... مسلطاً على كل عضو من اعضائها ، واشدّها حرمة - كل ذلك لتقول شيئاً - لتنطق بكلمة عن مخبأ قادة جبهة التحرير الوطني ... لكن حرفاً واحداً لم يخرج من فمها ، وصمدت امام برابرة القرن العشرين تتحدى وحشيتهم ، مكرهة الخضوع لجبنهم ونذالتهم الي لا يمكن ان يتصورها عقل بشري في هذا القرن .
هذا ما تجلى لنا ، من مطالعتنا كتاب المحاميين الفرنسيين جورج ارنو وجاك فرجيس ، والذي نقل مؤخراً الى العربية . لا يمكن لمن يتصفح هذا الكتاب الا ان تهزه قشعريرة النقمة والغضب والازدراء ... ليس الغريب المستهجن في القضية ، إلقاء القبض على احدى المجاهدات الخطرات والحكم عليها - عسكرياً - بالموت دون محاكمة قانونية مشروعة . فالتاريخ القديم والحديث لا يخلو من فضائح مماثلة ، اينما يجرم القضاة في احكامكم ، ويعمّون عن الحق . انما وجه الغرابة والاستهجان ، في ان يكون مصدر هذا الجرم بالذات - فرنسا - رمز الحرية والحضارة - فرنسا التي لم تغفر للانكليز حتى اليوم احراقهم الشهيدة جان دارك - فاي حماقة هذه تذهل فرنسا نفسها لارتكاب الجريمة نفسها واقبح بكثير ، مع فتاة - كل ذنبها انها مجاهدة شجاعة تصدت للموت فما رفّ لها جفن ولا خارت لها قوة - وما تزال مجاهدة صامدة ، حديدية المعنويات ، راضية بسفك ما تبقى في عروقها الواهية من دم لانها تعلم يقيناً ان اسطورة موتها ستفعل المعجزة وتدفع بلادها في طريق الحرية والمجد .
من الخير لفرنسا ، حيال استنكار وغضب الضمير العالمي الانساني ، ان تعيد النظر في جريمتها الشنعاء ، قبل فوات الاوان ، ولا يستبعد ان يكون تنفيذ حكم الاعدام بجميلة بوخضر - اذا وقع - نذيراً بافول نجم فرنسا مرة والى الابد ، ودماء شبابها كلها يومذاك لن تغسل العار الذي لطخ وجهها وسوّد ضميرها - من الخير لفرنسا ان ترجع عن حكمها الاحمق لان الاجراءات التعسفية الخرقاء والاحكام الجائرة العوجاء لم يعد يرضى بها اهل هذا الزمان المنطلقون جميعهم نحو الحرية والنور .


