اذكر اني سمعت مرة احد المربين يتحدث في موضوع : « كيف اربي ابنتي » وقد جاء في معرض كلامه انه يريد لابنته ان تتقن احد الفنون الجميلة كالموسيقى او التصوير او احدى الهوايات العلمية والادبية . وذلك لانه يرى حياة المرأة اكثر تعرضاً للوحدة من حياة الرجل فهي تحتاج في اوقات وحدتها الى هواية تقيها شر السأم وتمنعها من تبديد فراغها في لهو ضار .
قلت في نفسي معلقة على هذا الحديث : أيمكن ان تشعر المرأة بالوحدة في هذا العصر الذي تتاح لها فيه شتى الاعمال وتتعدد في وجهها سبل النشاط في البيت وخارج البيت ، في الجمعية وفي النادي ، في المعهد وفي المكتب ، في الاسفار والسياحات ؟
لكني ما لبثت ان ذكرت قول سارتر : « الانسان وحيدٌ ابداً ، مهما كثر اعوانه واصحابه ، متروك لنفسه ، مستقل في تسيير دفة حياته لا يستطيع ان يتلبس شخصية غيره ولا ان يندمج بها مهما كان الاتصال بينها وثيقاً » .
الوحدة في الاجتماع . حالة يشارك فيها الرجل المرأة . فكل منا مستقل بافكاره وحياته الداخلية وآلامه واحلامه ، يعيشها لنفسه منفصلاً عن سائر الناس ، مهما بلغ اتصاله بهم من العمق والقوة . ونحن حين نقول « فلان وحيد » انما نحكم على الظواهر التي لا تتناول الشعور . فقد يشعر الانسان بالوحدة ولو عاش في وسط الجماعة وفي اسرة كثيرة العدد . بينما الانسان الذي يتمتع بحياة داخلية غنية بجرّد من نفسه نفوساً تؤنسه في وحدته فلا يشعر بأية وحشة أو سأم .
على ان الوحدة التي أعنيها في هذا المقال هي التي يُنسَب اليها كل من لا يتمتع بحياة عائلية او زوجية .
يؤخذ من الاحصاءات ان النساء عموماً اطول عمراً من الرجال . ففي الولايات المتحدة مثلاً دلّ الاحصاء على ان عمر المرأة يزيد على عمر الرجل بمعدل ست سنوات . وقد يعود هذا الفرق الى اسباب فيزيولوجية اذ يثبت الاطباء ان جسم المرأة اشد مناعة ازاء الامراض من جسم الرجل . او يعود الى اسباب بيئية منها ان المرأة اقل تعرضاً للاخطار من الرجل وابعد منه عن العمل المرهق والمهام الجسيمة ، ومهما تكن الاسباب فزيادة عمر المرأة على عمر الرجل امر يُثبته العلم والتجربة .
يضاف الى هذا ان الزوجة غالباً ما تكون اصغر سناً من الزوج ، لا سيما في الاقطار الشرقية حيث يلاحظ ان فرق السن بين الزوجين يتراوح بين خمس سنوات وعشرين سنة .
لهذه الاسباب جميعاً يصح القول ان المرأة معرضة لان تقضي قسماً من حياتها وحيدة منفردة .
في احصاء جرى منذ بضع سنوات في الولايات المتحدة وجد ان هناك اكثر من سبعة ملايين ارملة ، متوسط اعمارهن احدى وخمسون سنة اكثرهن غير متريات ، اي لا تزيد ثروة الواحدة عن خمسة آلاف دولار . ثلاثة ارباعهن بدون اولاد وثلثهن فقط يعملن في المصانع والمؤسسات .
ان وجود هذا العدد الكبير من النساء المنفردات يؤلف مشكلة في نظر الباحثين والعاملين في الشؤون الاجتماعية . لا سيما وان عدد النساء الوحيدات لا يقتصر على الارامل ، بل
