تلاحقت ، هذا الشهر ، الاحداث الدولية ، بشكل مدهش ، يحمل على عمق في تحليل الاسباب والمضاعفات ، ساعدت في اثارة هذه الاحداث ، ما انطوت عليه من متناقضات ومغايرات ، دلت جميعها ، على مدى ما للحرب الباردة ، القائمة بين الشرق والغرب ، من تأثير وفعالية في سير التطورات الدولية ، في مختلف مناطق العالم . كما اظهرت ان الحرب الباردة اتخذت شكلاً جديداً بين المعسكرات المتنافرة ؛ لم تشهد مثله الاعوام السابقة .
ولعل المتنقل بين المراحل التي عايشتها ، تلك الاحداث ، او التي جاءت في اعقابها ، يدرك جيداً ، ان من جملة الاسباب ، التي تؤلف الحلقة المفرغة ، التي تدور حولها المشاكل الدولية القائمة ، رغبة الاطراف المتنازعة في جذب اكبر عدد ممكن من الانصار والمؤيدين الى المعسكر الذي ينتمي اليه ، او يتعامل معه . فاذا قدم الغرب مشروعاً لنزع السلاح ، وتحريم القنابل الذرية والصواريخ الموجهة ، واجهه الاتحاد السوفياتي ، او احد مشايعيه بمشروع خلق منطقة محظورة ، في قلب اوروبا الوسطى ، واذا قامت في الغرب دعوة الى توحيد بلاد مقسمة ، كالمانيا مثلاً ، هبت الصين الشعبية الى الاعلان انها ستخفض قواتها المسلحة في كوريا الشمالية ؛ ثم تدعو حلفاء اميركا ، والقيادة الدولية الى سحب الجنود الدوليين من كوريا الجنوبية ، تمهيداً لاجراء الانتخابات ، واعادة الوحدة الى كوريا .
واذا كانت احداث شهر شباط ، قد امتازت بمثل هذه الطائفة من الامور التي لا تدعو الى التفاؤل ، فقد تميزت ايضاً بحدثين هامين ، يعقد العرب على استمرارهما ، وازدهارهما ، واسهامهما في التطور السلمي والازلي والحياتي للشرق الاوسط ، اطيب الآمال ، واعز الاماني ، الا وهما : اعلان الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا ، وانتخاب الرئيس جمال عبد الناصر رئيساً لها ، واعلان الاتحاد بين العراق والاردن ، برئاسة جلالة الملك فيصل الثاني عاهل العراق . ومهما يكن من قيمة التعليقات الصحفية والاندية السياسية العربية والاجنبية ، على اعلان هذين الاتحادين ، فان العرب في مختلف ديارهم واقطارهم ، قد رحبوا بالخطوتين ، واعتبروهما بداية حسنة في تطور العلاقات العربية .
ولكن يقابل هذا التطور في الشرق الاوسط ، عامل قلق هام ، كاد يهدد العلاقات الدولية باسوأ العواقب ، لولا حكمة القادة والدبلوماسيين ؛ فقد استفحلت الازمة الفرنسية التونسية ، بسبب ضرب قرية ساقية سيدي يوسف بالقنابل ، ونشبت ازمة اخرى بين مصر والسودان ، بسبب الحدود ؛ غير ان كل ذلك ، ما كان ليقضي على الامل بامكان حل القضايا المعقدة بالطرق السلمية ، فاعلنت مصر تأجيل النظر في خلافها مع السودان ، وتمكنت اميركا وبريطانيا من اقناع فرنسا وتونس بضرورة العودة الى المفاوضات لحل النزاع القائم بينهما .
على ان قضية القضايا ، التي ما زالت بين اخذ ورد ، بين بريطانيا من جهة واليونان وتركيا من جهة ثانية عنينا بها قضية قبرص ، فانها اهم ما يشغل بريطانيا في الوقت الحاضر ، ويحمل وزير خارجيتها على وضع وزارته في حقيبة سفر مؤقتة بين انقرة واثينا ... الى ان يقضي الله امراً كان مفعولاً .
ومن ابرز ما اختتمت به هذه الاحداث زيارة الرئيس جمال عبدالناصر لسوريا ، للمشاورة في تأليف المجلس التنفيذي للاقليم السوري .

