عن كل جريمة يرتكبها احد رعاياها . لان اسباب الجرائم لا تتعدى : الفقر ، والمرض ، والجهل . وما دامت الدولة تتقاضى الضرائب من المواطنين لمكافحة هذه الآفات الثلاث، ولا تستطيع ولن تستطيع اية دولة في العالم ازالة هذه المسببات من مجتمعها ، فانه من الحري معالجة هذه الآفات والاجهاز عليها نهائياً عندما يصبح المجرمون في حوزتها .
فعلى رجال الامن وضباطهم ، الذين يُعهد اليهم حراسة السجون ان يكافحوا الفقر بالتصنيع ، وانشاء المشاغل والمصانع ضمن السجون ، لتعليم المهن والقضاء على البطالة والتشرد ، حيث يتمكن كل سجين من اتقان صنعة تكفيه مؤونة الفقر ، وترد عنه الم الفاقة ، فيخرج من السجن وبيده مهنة او اكثر ، وبجيبه بعض المال الذي ادخره ضمن السجن من جراء اعماله ، ويعود الى المجتمع مواطناً صالحاً ولا يعود الى ديارنا المظلمة ثانية ، لان كرامته التي استعادها بعد ان كان قد فقدها من قبل تأبى عليه ان يتخلى عنها مجدداً ، وحريته التي ذاق طعمها بشرف وكرامة ، تعز عليه ان يبيعها بالفساد .
الاصلاح الايجابي
وهنا تتجلى الغاية الاساسية من السجن والتسجين ، وعندها تظهر الغاية من التقويم والاصلاح باجلى مظاهرها . كما ان الواجب يقضي على المسؤولين عن الرعايا المحجوزة حرياتهم ، السهر على حياتهم كبشر ، ومواطنين من ابناء المجتمع ، فيجري اشراف صحي متواصل على اجسادهم . ومكافحة جميع الامراض والجراثيم التي تنهش جسومهم او تشارك زادهم ، او تحل في ملبسهم ومرقدهم ، والسعي الحثيث لمعالجتهم من جميع الامراض التي يتعرضون لها .
ويقضي الواجب ايضاً على المسؤولين عن التربية الوطنية والتعليم ، الذين لم يتمكنوا ولن يتمكنوا من تعليم وتثقيف جميع المواطنين ، ان يباشروا في تعليم وتوجيه المساجين بفتح المدارس ضمن السجون ، لان هؤلاء التعساء هم اجدر بالحاجة الى الكتابة والقراءة من سواهم .
ونحن رجال الامن ، الذين طالما ناصبنا هؤلاء العداء ، وطاردناهم ، والذين تمنوا مراراً القضاء علينا ، هؤلاء لا يخرجون عن كونهم مواطنين ... ومن طينة بني الانسان ، يتمتعون بجميع الصفات التي نتمتع بها نحن ، متى ادرك هؤلاء اننا نجهد في سبيل رفع مستواهم ، ونسهر على راحتهم ، ونعمل ما بوسعنا لتخفيف آلامهم من جراء حجز حرياتهم ، هؤلاء ذاتهم يتبدد الشر منهم ، او تخف حدته على الاقل ، فيعرجون - غير مأمورين - الى جادة الصواب .
لن نهزأ بعد اليوم بمن ينزل مرغماً في ضيافتنا ، ولن نحتقر احداً من نزلائنا ، فزبائننا ليسوا جميعاً مجرمين بالوراثة ، لان كل انسان معرض للتزحلق والانحراف ، ما دام لكل جواد كبوة ، فخير ما نفعله ان نصلح ونعلم ، وان نثقف ونقوّم وان نوجه ونرشد ، وان نذكر من حين لآخر «ان الخيمة الزرقاء لم تضرب اطنابها فوق رأس واحد»...


