حين حفر في تربة حديقته عمق قدم ، وثبت الشتلة الخضراء في الارض الطيبة لم يحلم قط بانها ستتفجر سخاء فتكون مظلة بيضاء ، تتعلق بها الف نجمة ، وتسمى في غير لغة الشعر ، شجرة مشمش .
وذات ربيع اورقت مشمشته وامتلأت نجوماً واعدة ، كل نجمة تتكور ثمرة صفراء .
ولكن فمه لم يعرف حلاوتها ، فهو ما رأى في حديقته ومظلاتها اكثر من هذه النجوم البيضاء .
وجلا عن الارض ، وحرم من سخائها ، ولم تبق له الا الصورة اللصيقة ، والرائحة التي تسكر حواسه كل موسم حين تزهر شجرات المشمش وتصبح الحدائق مرقصاً للربيع .
وهو اليوم بعد عشر سنوات ، ما يزال يحس قضيته ، قضية شجرة زرعها هو واكلها غيره . ومظلة بيضاء ، يتقيأ ظلالها غرباء .
فيا من يحس ما بنفسه ، ويعرف سر دمعتين تسبحان في عينيه حين يبلغ في نزهاته المسائية بستاناً تنوّر فيه الزهور البيضاء على اشجار المشمش .
اذا رأيتها في الصباح تدق بابك دقاً رفيقاً لتستقبلك بابتسامة تشحنها بكل تفاؤل سنواتها العشر ثم تسلّمك زجاجة من خير بقرتها
فاعلم أنها ( بشيرة )
واذا ما رأيتها بعد ساعة فلا تنكر عليها ( مريولها ) الأسود ورجلها المحتذية ومحفظتها المنتفخة بالكتب فبشيرة تلميذة ايضاً .
وقفت مرة تنتظرني وانا افرغ لها زجاجة الحليب فاتكأت الى الحائط وراحت تحسب شيئاً على اصابعها فلما وافيتها بالزجاجة الفارغة قالت اليس تسعة في سبعة ثلاثة وستون ؟ انني اراجع جدول التسعة .. ومسحت على رأسها برفق فحملت الزجاجة ونطت من بيتنا الى بيت جيراننا ( والتسعة في سبعة ) ما تزال ترقص على شفتيها .
سألتها مرة وهي تمسح قدميها على باب دارنا من ندى عشب الحديقة هل انت ناجحة يا بشيرة ؟
فاسلمتني الزجاجة وقالت كمن يستنكر السؤال .. سلي معلمتي ، انني اولى الصف .. اجل ( بشيرة بائعة الحليب ) اولى الصف .
قالت هذا وانسلت بزجاجتها بخفة ماعز رشيقة ، فليس لديها وقت تضيعه وامامها مجموعة زجاجات تنتظر التوزيع ومجموعة بيوت تستقبل صباحها على دقات بشيرة الواقفة على الابواب ، التي ما تزال مغلقة دون خيوط الفجر .
واتأملها قليلاً فاقول ولم لا تكون الاولى ؟ ألم تعرف قبلهن جميعاً ان الحياة لا تعطي دون ان تأخذ .
ما ارْوع ما تفعله لمسة رفق . درس تعلمته من كلاب ثلاثة احاطت بي في ذات ليلة .
كنت خارجة من احد الحوانيت في طريقي الى بيتي .
وكانت الليلة عمياء لا قمر لها ، اما مصابيح الشارع فاضعف من ان تبدد وحشة المساء بغيومها الرمادية المتكاثفة .