

لمحة تاريخية :
من الطبيعي ان نتساءل ، ونحن نرقب افواج الطبيبات ، يتخرجن كل عام من كليات الطب في بيروت والقاهرة وبغداد ودمشق : ترى ، الى متى تعود هذه الحركة ؟ متى بدأت كليات الطب في البلدان العربية تقبل الفتيات ؟
ليس عندنا مع الاسف احصاءات دقيقة عن هذا الامر ، انما نعلم في مثل اليقين ، ان لبنان كان السبّاق في هذا المضمار . ومن عام ١٩٣١ سجل تخرج اول فتاة لبنانية من كلية الطب في الجامعة الاميركية ، هي الدكتورة ادما ابو شديد .
وفي العام نفسه عادت من اميركا بعد غيبة سبع سنوات سنية حبوب تحمل شهادة الطب ، فكانت اول طبيبة مسلمة تحرز هذا النصر العظيم ، وتجرؤ على فتح عيادة خاصة بها متحدية التقاليد والعرف . لم يسبقها في هذا المضمار سوى الدكتورة انستاس بركات المتخرجة ايضاً من اميركا .
اول صف في كلية بيروت للبنات :
يمكننا ان نتصور الصعوبات التي اعترضت سنية حبوب يوم عزمت عام ١٩٢٤ - ١٩٢٥ على الالتحاق باول صف علمي « فرشمن » تابع للمدرسة الاميركية للبنات والذي اصبح النواة لكلية بيروت للبنات . كن في الصف ثلاثاً لا غير : هي ، ومنيره بربير وارمنوهي مكردجيان . وكان عليها كل يوم ان تقطع المسافة بين مدرستها والجامعة الاميركية مشياً على الاقدام ، بملاءتها وحجابها ، متأبطة كتبها . وكم تعرض لها الرجال ، وكم من ملاحظات واتهامات قذفت بها دون رحمة ، ولكن ارادتها وايمانها صمدا الى جنبها ، لان طموحها كان يمتد الى ابعد من ذلك .
فكرة السفر الى اميركا :
وبصمت بدأت تخابر الجامعات في اميركا لتدرس الطب لان الجامعة الاميركية لم تكن يومذاك تقبل البنات . وبصمت ايضاً بدأت تتهيأ للسفر ، لان العروض كانت سخية . وآن الاوان لتسافر ، وهنا واجهت سنية موجة من الاعتراضات اعنف بكثير من الموجة الاولى . كيف لفتاة مسلمة متحجبة ان تركب البحر وحدها الى بلاد غريبة نائية لتدرس الطب ؟
انه الجنون بعينه ! والفكرة جديدة وجريئة ، لان الطب في عقول الناس يومذاك كان ما يزال وقفاً على الرجال ، ومن حقهم وحدهم ، فمن تكون هذه المتمردة على التقاليد والعادات ؟ لكن المعارضات جميعها باءت بالخيبة ، لان سنية كانت مصممة ، وباعت اقراطها الماسية اجرة الطريق .. وحاول ابوها في اللحظة الاخيرة ان يستعمل سلطته ويمنعها من السفر ، لكنها اكدت له بهدوء انها راشدة السن ، فرضخ لقرارها مكرهاً ، ومنحها بركته مزوداً اياها بنصيحة اخيرة : « اعملي ما لا تخجلين به امام الله والعبد . »
ثمّة انسان واحد من اهلها كان يحثها ويشجعها على السير في هذا الطريق ، هي امها ، والتي اعطت الوطن والمجتمع عدا الدكتورة سنية ، الدكتورة نهيل حبوب والتي تخرجت من الجامعة الاميركية عام ١٩٣١ - اول طبيبة اسنان وتزوجت الدكتور محمود الدجاني وتدير الان المستشفى الاهلي العربي في بيت لحم .
وتذكر الدكتورة سنية حبوب بكثير من الحنان والاعتراف بالجميل ما كان لرئيستها مس ايرون رحمة الله عليها من فضل عظيم وكذلك للمستر والمسز ليفيت اللذين رافقاها في سفرتها الاولى ، وكانا لها خير موجهين لخطاها المضطربة .
