(تتمة كيف ننقذ هذا الزواج)
القيادة لهان الامر ، ولا عتبرتها سعاد كامها واختها ، لكن الوضع العائلي كما هو الآن لا يطاق .
من المسؤول ؟ المسؤول الاول والاخير ، برأي سعاد هو زوجها ، لانه يعرف هذه الامور حق المعرفة ، صحيح انه كان يعد زوجته باديء الامر بان يفتح لها بيتاً مستقلاً ، لكن المشكلة كانت تزيد تعقداً كلما قدم طفل جديد ، وفي خلواتها مع زوجها كانت سعاد تفرط في اذنيه هموم قلبها وترجوه وتتوسل اليه ان ينقلها واولادها الى بيت مستقل ليكن غرفتين صغيرتين ، لانها تريد ان تعطى المجال لتربي اولادها في جو عائلي هادئ ، لا يعكره التضارب في الاراء والمجادلات التي لا طائل تحتها ...
وكان منير بعدها بأن يلبي طلبها : « بعد شهرين حبيبتي ... هناك صفقة ستم عما قريب ... وستنالين قريباً كل ما تشتهين ... » بهذه الوعود كانت زوجها يهدى ثورتها ويطيب خاطرها ، وما اسرع ما كانت تصدق ، وتظل تنتظر .. وتبين لها اخيراً بانه يكذب ! كيف يجرؤ على ان يخادعها ويراوغ عليها ؟ !
واصبحت ثورتها اكثر الاحيان نوعاً من اللامبالاة الفاترة ، فهي طوال يومها كالآلة ، تسعى وراء اطفالها الثلاثة ومشاغلهم التي لا تنتهي . اما زوجها الذي كان حبها له ذات يوم ضرباً من العبادة ، فقد خيل اليها ان هوة عميقة قامت بينها وبينه حتى لكأنه غريب ، يذهب الى عمله صباحاً ، وقلما يحضر للغداء بحجة الشغل ، وعودته غالباً متأخرة بعد ان يكون الصغار قد ناموا ، وامهم كومة من الاعباء واليأس . ولذا فكل ما تريده الآن هو الطلاق والانفصال ، فهي لا تطيق بعد هذا العيش الذليل .
وجهة نظر منير : ان منير انموذج الرجل الشرقي الذي يأبى ان يعطي حساباً عن اعماله وأقواله ، ولا سيما مما يختص باسرته ، لأنه سيدها المطلق . انه أحب سعاد وما يزال يؤمن انها الزوجة المثالية له والام المثالية لأولاده . وهو فخور بأولاده ايضاً .
ولكن منير المسؤول الوحيد عن امه واخته ، لأن اباه متوف ولم يترك من البنين سواه . ولذا فهو يهاب الرأي العام - « ماذا يقول عنه الناس لو ترك امه واخته يسكنان وحدهما ؟ » وهو له مكانته الاجتماعية وليس في استطاعته التفريط في سمعته ... اذن فليضح بزوجته « العاقلة » ... ومتى غضبت يعرف كيف يراضيها .. بكلمتين !
... وكان غالباً ينجح ، لكن الامور زادت تعقداً مع الايام ، وصار منير يتهرب من مقابلة زوجته والاختلاء بها ، لئلا تستفرده وتطالبه بوعوده ، وتشكو له الحالة التي هي فيها والعيشة البائسة التي فرضت عليها ... وهكذا صارت غيباته عن البيت تمتد وتطول ، وساء طبعه وخلقه ، لأنه لم يجرؤ على مجابته الواقع وافساح المجال لزوجته بكاشفته الامر - وزادت الهوة بينهما عمقاً وسعه ، وتطورت الحالة من سيء الى اسوأ - كل هذا والاولاد يرقبون بصمت ، كل ما يدور حولهم ، ويستشعرون النقمة والحقد والكراهية ، تتكشف في ملاحظات ونظرات الجدة والعمة والام جميعاً ، فهل عجيب ان يمسي البيت جهنماً ؟ ...
هل يمكن انقاذ هذا الزواج ؟ ولم
لا؟ ما دامت الاسس للزواج السعيد ما ما تزال كلها متوفرة في الزوجة وفي الزوج معاً؟ كل ما يجب فعله هو تنازل منير عن عاده الفارغ والاعتراف لسعاد بابسط وأهم حقوقها ليس فقط من أجل سعادتها هي ، بل من أجل سعادة الاولاد ومستقبلهم ، لان على هذه الفترة من نموهم يتوقف مستقبل سعادتهم ، ولا شيء في خاطر الصغير يعدل « طفولة هانئة » .
اجمل ما تمتاز به سعاد هو « الفضيلة » و« القناعة » . فهي سيدة فاضلة وقنوعة ، لا ترهق زوجها بمطالب النساء الكثيرة . وان صدمتها النفسية وفشلها في تأمين سعادتها وسعادة اسرتها ، جعلا منها مخلوقة مترددة منكمشة على نفسها ، موجبة كل حنانها ومحبتها الى اولادها ، حتى انه صار يخشى على الصغار التأثير بهذا التبصار العاطفي ذي الشق الواحد . وباتوا من خلاله شديدي الريبة من طبيعة العلاقات بين امهم وأبيهم ؟
وفي كل حال ، يجب انقاذ هذا الزواج ، وأفة بسعاد ورأفة بصغارها الثلاثة . والامر راجع لمنير ومتعلق به وحده . وما عليه الا ان يعزم وينفذ ، ولا يخف ان تقرصه ألسن الناس ان هو سكن مع عائلته في بيت مستقل غير بيت امه واخته ، لان في استطاعته رعاية امه واخته كذلك ، وتأمين معاشها - لكن حق زوجته عليه فريضة لازمة ، وليعلم ان ألسن الناس لا بد انها تنهشه الآن ، اكثر ما يعلم ، فلا يعرهم كبير اهتمام ، ويهمل المشكلة من اساسها .
ان سعادة زوجته وأولاده رهن بقراره - فماذا عساه فاعل هذا الزوج المسؤول ؟ !
