مغامرات تامار
وصل الشيخ تامار هذه المرة لاهثاً : وكان العرق يسيل على وجهه وعنقه ، والغبار يغطي حذاءه وثيابه ، ذلك لأن صديقنا كان قادماً هذه المرة من رحلة بعيدة جداً ... وكنت في ذلك النهار قد أعددت بعض عصير البرتقال ، فأسرعت اليه بكأس عصير بارد ، وجلست بقربه اسأله وأسمع حديثه اللذيذ .
استراح قليلاً ، وأفرغ الكأس البارد في جوفه ، ثم مسح فمه وشاربيه ، ونظر اليّ بابتسامة راضية ، وقال : هل تعلمين من اين أنا قادم الآن ؟ .
قلت : كلا ، ولكن من رحلة بعيدة طبعاً .
- أجل ، بعيدة اكثر مما تتصورين فانني قادم من بلاد الصين .
وطربت لما سمعت ، ونظرت الى الصديق العزيز راجية ان يسرع بإخباره عن تلك البلاد ، فقال :
- لم أكن أعلم ان رحلتي ستوصلني الى بلاد الصين ، تلك البلاد الغريبة بشعبها ، وطبيعة ارضها : وأغرب ما فيها الأولاد الصغار ، وهم يختلفون عن اصحابنا هنا بأجسامهم الصغيرة ، ولونهم الأصفر ، وشكل وجوههم وعيونهم ... وقد تعرفت الى اصدقاء كثيرين ، بينهم « تشنغ » واخوته ، وهم جماعة من الصغار النشيطين ، المحبين للعمل ، والمسرح ، واللعب ..
أما العمل الذي يقوم به « تشنغ » فمن أغرب ما شاهدت خلال رحلاتي العديدة ؛ انه يسكن مع والديه واخوته في « تشاي » ، وهي مدينة هادئة تحيط بها بساتين الأرز الواسعة وتشرق عليها الشمس الذهبية الدافئة ؛ ويمضي الاصدقاء الصغار أيامهم في المدرسة ، مثلما يفعل اصحابنا هنا ؛ وفي أيام العطلة ينطلق الجميع الى المزرعة .
ولهذه المزرعة حكاية جميلة ، فقد كان « تشنغ » يقضي ، مع اخوته ، أيام العطل في المنزل ، بين اللعب والقفز . وفي
يوم رافق أباه إلى ضاحية المدينة ، حيث تقوم مزارع الاب الواسعة ، التي يعمل فيها عشرات الفلاحين ... ولما عاد « تشنغ » من هذه الزيارة كان يفكر بأمر جديد ، أحس بسعادة الفلاحين ، وحياتهم الهادئة بين احضان الطبيعة ، وفي الهواء الطلق وأشعة الشمس الدافئة ؛ فطلب من أبيه ان يعطيه زاوية صغيرة من أرضه ليعمل فيها مع اخوته ... وتعجب الوالد من هذه الفكرة ، لكن حبه لابنائه ، وثقته بهم ، جعله يوافق على اقتراح « تشنغ » ويحقق له آماله ، فاعطاه قطعة أرض صغيرة ، يستقل في العمل عليها . وجمع « تشنغ » اخوته ، ثم اتفق معهم على ان يقوم كل واحد بقسط من العمل ؛ فهذا يهتم بتربية الدجاج ، وذاك يعلف الأرانب ، وآخر يفرس الأرض ؛ وفي مدة قصيرة ، اصبحت الأرض الحمراء جنة خضراء ، تنبت فيها الغرسات الصغيرة الخضراء ، وتسرح بين ارجائها طيور الدجاج والارانب الوديعة .
وقد كان عدد هذه الحيوانات قليلاً في بادئ الامر ، فراح يزداد بفضل الجهود التي بذلها الاخوة المجدون .
ولما زار الأب مزارعه ، دعاه ابناؤه ليشاهد ثمرة اتعابهم فلم يصدق ما رأت عيناه ، لأنه كان يعتقد ان الفلاحين وحدهم يمكنهم القيام بهذا العمل ... وسالت دموعه من شدة الفرح ؛ فاقترب من كبير ابنائه وقال : سوف أضيف الى هذه المزرعة قطعة اخرى من الأرض ، وبامكانكم ان توسعوا عملكم ، وان تدعوا اصدقاءكم ليشاهدوا ما تفعلون .
وصدف اني وصلت الى « تشاي » في نفس اليوم الذي دعا فيه « تشنغ » واخوته اصدقاءهم لقضاء نهار في المزرعة وكنت بين الاصدقاء المدعوين ، ولا اذكر انني صرفت نهاراً أسعد من ذلك النهار في حياتي ؛ فقد وصل الصغار باكراً الى المزرعة وكل واحد يحمل زاد يومه ، وذبح الاخوة بعض الدجاج والأرانب ثم جلسنا نطبخ اللحوم اللذيذة ونشويها ، ونقطع من حولنا الخضار الطازجة الطيبة ، وتناولنا غداء شهياً ؛ وقبل ان نودع المزرعة قرر الاصدقاء جميعهم ان يبحثوا عن قطعة أرض ، او بستان صغير ؛ ليقيموا عليه مزرعة ، يقضون فيها أيام العطلة ، ويربون عليها الحيوانات الصغيرة .
أتمّ تامار هذه الجملة ، ونفض الغبار عن سرواله ، وأصلح طرطوره الاحمر الطويل ، ثم هزّ يدي مودعاً ، واختفى بسرعة بين اشجار السنديان .
( نونو )
