كتبت صديقة من الدنمرك لي ولطائفة من نساء لبنان ، تسألنا : ما عسى قمنا به من مساع لإخماد الفتنة وحجب الدماء .. وتستحثنا ان نعمل الممكن والمستحيل لردّ الشر عن لبنان ولإحلال الأمن والسلام .
وكأن هذه الصديقة ، في رسالتها الحاسمة من بلاد الغربة ، أيقظتني من شبه غفلة ، ووضعتني من المشكلة وجهاً لوجه . فتوصلت الى ان المرأة ــ عملياً ــ ظلت من ثورة لبنان على الشاطىء الآمن ، اعني لم يكن لها في الاصل رأي او يد في اشعال النار . لقد كانت لها ، كما لسواها ، محاولات لكبح جماح الثورة ، لكنها لم تسفر عن نتيجة ، لان التيار كان قوياً جارفاً ، فلم تقدر على مجابهته او الوقوف في وجهه .. وهكذا ارتدّت الى دنياها الذاتية ، تخدم وطنها من خلال وسائلها الخاصة في المجالي الانسانية الصرفة .
ثم يبرز ثمة سؤال عن المرأة اللبنانية : هل تراها قصدت شحذ وتوجيه طاقتها ــ كل طاقتها ــ لوقف الفتنة ؟ هل استعطفت زوجها . اخاها . اباها . ابنها ؟ هل تشبثت بثوبه وتوسلت اليه : بضعفها . بدموعها . بقبلاتها ، ان يرمي سلاح الشيطان ويكف عن المغامرة الجهنمية : بحياته . بحياة اخيه . بحياة جاره . ربما تكون فعلت ذلك واكثر فلم تلق اذناً صاغية ، ثم اذهلتها التطورات السريعة فآبت الى ضميرها تستوحيه ماذا تفعل في هذه الازمة السوداء . وبوحي ضميرها الانساني انضوت في صفوف المتطوعات للاسعاف والانقاذ ، او انزوت في بيتها تحتضن اولادها بلهفة الخائف ، وتصلي وأيّاهم بحرارة التقيّ : ليحفظ الله لبنان ويردّ عنه الاذية !!
وتوالت الايام والليالي الموحشة والمرأة في امل المؤمن ، تكفكف دمع قلبها الوجل ، وتلمّ اشلاء شجاعتها المصدّعة ، سائرة اثر واجب مقدس تفرضه وطنيتها السليمة : فهي الممرضة الساهرة على خدمة الضحايا ، وهي المواسية تحمل الثياب والغذاء والادوية الى محتاجيها ، وهي المتطلعة سلفاً الى السبل المجدية لانعاش الاقتصاد المشرف على الانهيار ... وهي فوق كل ذلك المتطوعة بدمها لانقاذ الجرحى من الموت . وفي سجلات الصليب الاحمر الدليل القاطع بان عدد المتطوعات وازى عدد المتطوعين .
لقد وضح للمتأمل في ظروفنا القاسية ان المرأة لم تقتحم صميم المعركة ، واخفقت بالتالي عن خنق الثورة في مهدها ، لكنها لم تتخاذل على نفسها في يأس لامسؤول ، بل مضت بجدّ حثيث تخدم في مجالاتها الانسانية الرحبة ، خلف الكواليس ، في منأى عن العيون والاذان : تنقذ وتنجد ، تداوي وتواسي ... ثم لا تلبث ان تقف واجمة منكسرة امام معالم الدمار والخراب هنا وهنالك ، وتعجب من نية الرجل : زوجها . ابيها واخيها . كيف طاوعه قلبه . كيف طاوعته يده . كيف طاوعته وطنيته ان ساوم على لبنان : يثخنه بالجراح ، ينكبه بالارواح ، ويسوقه الى الافلاس ؟
فيا صديقة في الدنمرك سألتنا عما فعلته المرأة في ظروفنا العصيبة ؟ ان اختنا اللبنانية لم تبرهن انها انانية لا مبالية او انها مشلولة الارادة هزيلة الوطنية . انها اليوم مضعضعة الرشد كئيبة الفؤاد ، لكنها تعمل بنشاط ضمن اطار امكاناتها للخروج بلبناننا الحبيب من محنة لم يعرف مثلها طوال عمره ، ولاعادة الطمأنينة والسلام الى ربوعه الآمنة .





