ما اغلى ذكريات الطفولة .. وما اسعد من لهم ذكريات حلوة .. اما انا فلا اتذكر الا الكره والخوف .. صغيرة غير مرغوب فيها .. وامي ظل مرعب يقوده ظل اشد رعباً هو جدتي .. امها .
لقد كرهت جدتي كل الصغار .. وكرهتني اكثر من الكل انا حفيدتها الوحيدة ..
كنت مطيعة ولكنني اقاصص دائماً .. اطرح في زاوية مظلمة وانسى ساعات .. وكنت اتكوم على الارض وانا اموت رعباً من الظلمة ثم اقسم بيني وبين نفسي اني لن اغضب جدتي بعد .. وحتى بعد ان ماتت جدتي باعوام كنت اصرخ في نومي مذعورة : « ارجوك لا تقفلي علي في تلك الزاوية المظلمة ! » .
وكانت امي تختلف عنها .. وكنت مستعدة ان احبها لو انها سمعت لي .. ولكنها ابقت دائماً فراغاً بيني وبينها .. كانت تشتغل في معمل للخياطة وقلما اراها في المنزل وهكذا كانت جدتي الرئيسة .. كانت لها قوة الارض كما تصورت ، فلم اجسر على البوح لامي عن الزاوية المظلمة وعن رعبي القاتل ..
ولقد حاولت مرة ذلك عندما اقبلت امي مساء فوقفت بباب غرفتي وبينها وبيني كل الغرفة فهمست .. آه يا امي قبليني .. ونظرت الي باستغراب ثم قالت : لا تكوني بليدة انك فتاة كبيرة .. رددي صلاتك واطلبي من الله ان تكوني ابنة جيدة ثم نامي .
واصبحت في السادسة فادخلت المدرسة ولكنني لم استطع اكتساب ود رفيقاتي .. قلت لنفسي لو كان لدي حلوى اقدمها لمن لاجبنني .. ولكن جدتي لم تعطني قرشاً واحداً .. ولم اجسر على الطلب .
وأتتني الفرصة ، فقد نسيت جدتي مرة كيس نقودها الاسود على مائدة المطبخ فراح قلبي يخفق بشدة للفكرة ، ولكنني اخذت ، وكل ما اخذته تحول الى حلوى - ملبس ، شوكولاته ، واشياء اخرى حمراء وخضراء وبيضاء ، ووزعت على رفيقاتي ووزعت حتى لم ابق لنفسي سوى قطعتين .. ولم تفطن جدتي للامر .
ولم امس الكيس بعد ذلك لمدة طويلة ، ولكننا اتفقنا في المدرسة على ان تقدم كل واحدة منا للرفيقات بالمناوبة ، وبعد اسابيع جاء دوري . كانت جدتي تذهب كل سبت الى اجتماع ديني .. انما هل ستترك كيسها في علبة السكر الفارغة في الخزانة ؟ ومضيت فوضعت كرسياً وتسلقته فاذا بالكيس هناك .. وانزلته وفتحته ومددت يدي واذا بصوتها يدوي كالرعد : ايتها اللصة ! ونظرت فاذا بها كالجبل طولاً وعرضاً .. واذا بعينها كجمرتي نار .. وكنت اقف بسنواتي الست ارتجف من شعر رأسي حتى آخر قدمي .. قالت : اذهبي الى غرفتك وسترين .
وتجاهلتني النهار كله .. لا طعام ولا جرعة ماء .. كنت اعلم ان السرقة خطيئة واحدى وصايا الله تقول هذا .. اني استحق القصاص ولكن لم لا تقاصصني وينتهي رعبي ؟
وبعد الخامسة في الظلام عادت امي الى المنزل ، وازداد هلعي ، آه لو تقاصصاني اشد قصاص وينتهي كل شيء . وسمعت جدتي في الغرفة المجاورة تقول لامي .. انها ابنة دان موريس ، لقد حذرتك فافعلي ما تشائين !
وجلدتني امي وجلدت .. وللمرة الاولى اشتعلت عيناها المتجمدتان عادة ، كانت تجلدني وهي تصيح ، لن تكوني مثله .. مثله ..
وفي غمرة رعبي فهمت انها تعني ابي ، ولكن ابي مات ، وكانت آخر ما تذكرته صوت جدتي تقرع الباب وتصيح بامي : افتحي قبل ان تقتليها .
وعاملتاني لاسابيع كلوص .. لم تسألني احداهما لماذا اخذت الدراهم بل اعتقدنا ان شيئاً شريراً في داخلي فعل هذا .
وشفيت جراح جسدي ولكن قلبي ظل مراً ، ومضيت اتحاشى نظراتها وقد شعرت ان امي ابتدأت تكرهني كره جدتي .. آه للطفل العاجز القليل الحيلة في عالم الكبار !!
وبلغت الثالثة عشرة قبل ان يكون لي رفيق ، كانت جدتي قد ماتت قبل عام فشعرت بالحرية ، ولكن مع اننا اصبحنا في المنزل اماً وابنتها فقد كنا متباعدتين ، ومع اني نسيت القصاص المربع فاني لم اسرق ثانية الا بعد ان التقيت بجريس .
كانت جريس سمينة حتى اطلقنا عليها لقب « المكعبة » .. ولكنها كانت اول صديقة لي ، يا لقلبي السعيد عندما كنا نسير وذراعها في ذراعي ، او عندما تهمس ضاحكة ، اصغي يا ساندي فلي ما اقوله لك : « ان التعاسة تحتاج الى رفيق » ولم يكن اتعس مني .
كانت جريس تسرق من المخازن مع ان اهلها كانوا يبتاعون لها كل شيء فلماذا .. ؟ لقد كان للفتيات الاخريات وفاق من الجنس الآخر ، اما نحن فلم يكن لنا .. فهل حاولنا ان نرضي انفسنا من هذه الناحية .. او ان ننتقم لانفسنا .. ؟
ومضينا نسرق معاً .. وعندما كانت امي تغيب عن المنزل كنت استخرج مجموعتي الغالية التي سرقت ..
زوجان من الحلق .. اساور رخيصة .. خرز .. فتاحة علب .. بطاقات مصورة وغير ذلك .. فلماذا احتفظت بكل هذه فوضعتها في صندوق صغير افتحه واتفرج عليه ثم اقفله واضعه في مكان امين .. ؟ وكان لا بد ان نملك في مخزن ما لم يحدث ما حدث .. فقد عدت يوماً الى المنزل لاجد امي تحمل الصندوق مفتوحاً ، وفضحني احمرار وجهي ولكنني صرخت .. ليس لك حق في نبش اشيائي ، وصفعتني على فمي وقالت : من اين هذه .. ؟ اريد الحقيقة .. الحقيقة .
واخبرتها ان كريس تقول انهم لا يجنون بهذه الاشياء الصغيرة ثم اضفت بملع .. ولكنني لن افعل هذا ثانية يا اماه .
وكانت انظار امي تحدق بعيداً وهي تتمتم : لص آخر .. لص آخر ، ثم نظرت الي وقالت بحزن : انك شريرة يا ساندي .. شريرة بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، وقد لا يكون هذا ذنبك ولكن ، انك في الرابعة عشرة اليوم وتفهمين ما اقول ، لقد مات والدك وعمرك سنتان .. مات لصاً في السجن .
واتم صوتها الماس : « كان اسمه دان موريس .. طويل القامة جميلاً يبتسم دائماً » .. ورق صوتها ثم عاد فتصلب : « ولكنه لم يكن طيباً .. ومانعت امي ولكنني تزوجته ، وقد اعتقل قبل ولادتك لانه اختلس مبالغ كبيرة كنت اعتقد انه يحصلها لنا بشرف ، واخبرته اني لن انتظره .. ومات في السجن من ذات الرئة » .
وكانت يدها المجلدة على يدي وهي تتم : كنت دائماً اخشى ان تكوني شريرة لان الشر في دمك . وبعد ما [...]


