دفن والدك قنيت لو لم تولدي .
وتضرعت قائلة : « آه يا اماه ماذا افعل ؟ » .
ولاول مرة في حياتها رأيت ذراعيها تحوطاني وهي تقول : « سأساعدك يا ساندي ، وسنحارب هذا معاً » .
ونهضت فلفت المسروقات كلا على حدة وعنوته الى المحل الذي سرق منه ثم ارسلته بالبريد .
وبدا كأنها استراحت وهي تقول : « انك لن تري جريس بعد .. ولم ارها لان امي انتقلت بنا الى مدينة يورك وادخلتني مدرستها العليا بينما وجدت هي لنفسها عملاً .
وعشنا اقرب الى بعضنا من قبل .. تحدثني مراراً وتصطحبني الى السينما احياناً ، بل لقد وضعت مرة بعض النقود في يدي وهي تقول قد تحتاجينها يا ساندي ، فاحمر محياي اذ قد كان ذلك ، خذي لئلا تسرقي .
عشنا هكذا سنتين ، وبدا كأن ماضي طفولتي كان حلماً لولا انه كان يعود احياناً بفتنة ، ولولا انني كنت اتعرض احياناً للتجربة فاتغلب عليها وانا اشعر بالكبر وثم اردد في داخلي : « كلا لن اسرق ابداً » .
كان الظل الاسود في حياتي هو ابي ومع ذلك فلم تذكره امي ثانية قبل ان اصبحت في السادسة عشرة .. وعندما التفت الى اول فتى وقد انبأتني مرآتي انني اصبحت بارعة الجمال .
كان جورج فتاي الاول ، اوصلني من المدرسة الى المنزل مرتين ثم سألني مرافقته الى السينما ففعلت ، لم اخبر امي قبل ذهابي بل كتبت لها على ورقة صغيرة انني عائدة فلا داعي لانشغال بالها .
وعدت فكانت تنتظرني .
وامسكت بكتفي وهزتني وهي تسأل : اكنت مع هذا الفتى ؟ قلت : « اجل يا اماه ولكن لم يحدث شيء بيننا ، اي شيء ، واقسم لك بشرفي » .
وحدقت عيناها بعيني وهمست همة اشد هولاً من الصراخ قالت : « بشرفك واي شرف لك ؟ انك لن ترافقي هذا الشاب ولا غيره ، ولن تتزوجي من احد لئلا تورثي الشر الذي فيك لابنائك .. ساقتلك قبل ان تفعلي » .
وصمتت لحظة ثم همست : اصغي الي يا ساندي ، لا فتيان ولا زواج ولا اطفال ، افهمت ؟ عديني .
وكنت ارتجف رعباً واتصور الزاوية المظلمة في الغرفة المظلمة .
قالت : « عديني .. »
ووعدت ، وعندئذ فقط اصبحت رقيقة .. وتحاشيت جورج ، بل كل الفتيان حتى انتهت دراستي وتوظفت في شركة ما وهناك التقيت بروس هلمن .
كان في الثالثة والعشرين وكنت في الثامنة عشرة ، صبية تسرع من عملها الى المنزل وتقدم حساباً عن كل دقيقة صرفتها في الطريق .
وكان يهمس في اذني بكلماته الحلوة كلما وجد فرصة لذلك ، ولم ترد علاقاتنا على همسات الاعجاب التي كنت احسد عليها من الزميلات ، فقد كانت روس امنية كل منهن .
ودعاني الى حفلة راقصة فرفضت واخبرته بان امي لا تسمح مطلقاً بذلك ففكر لحظة ثم قال سأرسل لك اجي فدعي انك ذاهبة معها الى السينما ..
وكان ذلك .. وارتديت اجمل ثيابي فقالت امي مشككة : « اكل هذا لسينما » . فاجبت واي مناسبة اخرى وانتاحت على امي لاني احببت
روس كما لم احب مخلوقاً في الدنيا ، فقد احبني هو واعاد الثقة الى نفسي ، وكان سيسافر غداً ليغيب اسابيع يقضي فيها عملا لشركته ، فلم استطع ان ارفض طلبه .
ورقصنا .. وكان يعلمني كيف انقل قدمي لاني لم ارقص من قبل ، وتعلقت بذراعه كمن في حلم وضممت اليه وهو يهمس : « يا طفلي دعينا نخرج من هنا » .
ومضينا الى غرفته ، كنت كتلة من مشاعر ، كل جارحة في تتوق الى ان تحب وان تحب .. كل وحدة حياتي والامها ذابت بين ذراعيه ، كان من الممكن ان اوقف القدر عن سيره قبل ان اوقف روس .
وسافر ومرت اسابيع ، واغمي علي في الشركة فاخبرني الطبيب بانني حامل ، ولم اعلم ماذا افعل فمضيت واخبرت امي .. كنت مذهولة مما حدث لي فلم اعد اخافها .. وسمعت صوتي يقول : « لعلك لا تفهمين ماذا يعني هذا .. ان احب شخصاً .. لقد ابقيتني دائماً في سجن » .
قالت محاولة السيطرة على نفسها : « اذا لقد حدث ذلك .. ساندي سيجازيك الله لانك لم تصغي الي كما لم اصغ انا لامي » !
وشعرت بانفاسها على وجهي وهي تقول : اني اعرف كيف يحدث هذا ، كيف يكون الشوق لرجل ولكنني سأساعدك ، سأجد طبيباً .
وصحت برعب : « كلا .. لن اقتل طفلي » .
وقالت وكأنها لم تسمعني : عندي بعض الدراهم ولن يعلم احد ، سأسافر بك واحفظك في مكان آمن فلا يحدث هذا ثانية ، سنختبئ ولا يزعجنا احد بعد .
ونظرت الى امي ، كانت عيناها كازئبق في محجريها وكل حركة منها تدل على انها .. آه يا الهي لقد جننت امي !
وخرجت من الغرفة واغلقت بابها علي طوال الليل ، وفي الصباح حملت الي الطعام فلم امسه ، ماذا اعيش ؟ .. سالد طفلاً . وروس لا يجيبني ، وامي مجنونة .
وخرجت امي بعد الظهر واغلقت الباب وهي تقول بالصوت الغريب
نفسه : « سأجد طبيباً » .
ولم افكر بالخروج ولو لم تقفل الباب فليس في مكان اذهب اليه ولم اعد ابالي ماذا سيحدث لي عشت ام مت ، بل لعلي فكرت بانني سأموت فتنتهي متاعبي .
وسمعت جرس الهاتف بجانبي فلم اتحرك ، وظل الجرس يلح فتناولت السماعة واذا به يتكلم قال : « ساندي لقد اخبرتني اجي » .
ورحت اصيح : روس هنالك جنين ، وامي مجنونة وقد مضت لتحضر الطبيب ، والباب مقفل علي ، ارجوك . ارجوك ..
وقال بسرعة : « انا قادم » وكأن الله نفسه كان القادم لنجدتي .
وعادت امي فصحت بها : « انه يجيبني وهو قادم »
وقالت وكأنها لم تسمع : « سأساعدك .. لن ادعه يتزوج بك فلا تخافي »
صحت : « ولكني اريد ان اتزوج منه ! »
ولم تسمعني ايضاً ولكنها عندما قرع جرس الباب فتحته .. لم اعلم ماذا كان ينوي روس اولاً ولكنه عندما رأى امي بهذه الحال قرر حالاً .. قال : « لقد ادخلتك في هذا المأزق وسأخرجك منه .. اني والد الطفل وانا واثق من هذا .. وستتزوج لاني لست نذلاً »
وصاحت امي وعلى شفتيها زبد ابيض وعيناها مشعتان كوحش هائج : « لن تتزوج بها الا على جثتي .. وحتى لو اضطررت الى اخبارك بالحقيقة »
وصحت بها : « كلا كلا .. » ولكنها لم تسمعني ايضاً .. ولم استطع ان اسمعها تخبره بانني لصة .. وان والدي كان لصاً .. ولم يأبه كلاهما لي فاندفعت الى الخارج .. وعلى اول درجة التفت لاتزود بالنظرة الاخيرة من الرجل الذي احب .. فانفلت قدمي .. وحاولت ان امسك بشيء فلم اجد .. فسقطت اتدحرج على الدرج .
واستيقظت في المستشفى على همس

