رأيت سيدة تساوم على شراء كيلو من فاكهة المشمش ، وقد اثار اهتمامي دقة المساومة بين الشارية والبائع ، وكان هذا الاخير هادئاً صبوراً مما ساعد على الوصول الى الاتفاق على السعر .
طلبت السيدة كيساً من الورق لتضع فيه الفاكهة . فأجابها البائع ان الكيس ثمنه خمسة قروش ويمكنها شراؤه من باعة الاكياس في نفس المكان . وهنا قامت مشادة طويلة عريضة بشأن كيس الورق وعلى من يترتب دفع قيمته البائع ام الشارية ... وانتهى الموضوع بأن وافق البائع ان يقدم الكيس من حسابه ...
فبدأت السيدة بتلمس حبات المشمش على الطبق وتقليبها وجسها بأناملها واختيار الحبات الكبيرة منها بشكل مزعج اثار استياء البائع . ورأيته يحاول مساعدة السيدة المذكورة باستعجالها في وضع الفاكهة داخل الكيس لينقذ بضاعته من العبث والتفتيش . وهنا اغتاظت السيدة وأخذت « تنزف » وتصرخ في وجه البائع وتعود الى اخراج ما وضعه البائع في الكيس من الفاكهة وهي تقول له : « انا اختار بنفسي ... » فانتفض البائع ، وقد نفذ صبره ، فخطف الكيس من يد السيدة وأفرغ ما فيه من المشمش فوق الطبق وهو يدعوها بحدة للذهاب الى سوق الفرنج للحصول على حاجتها ...
انتقلت السيدة الى بائع آخر وغادرت المكان بينما البائع يتمتم عبارات السخط واللعنات ...!
وتساءلت بنفسي : ايصح ان تتصرف هذه السيدة بالشكل الذي شاهدته ؟ بعد ان ساومت على السعر مساومة قصوى وأجبرت البائع على تقديم كيس الورق من حسابه ايضاً ؟... وهذا البائع الذي خرج عن اللياقة المفروض وجودها عند الباعة والتجار هل هو على حق فيما فعله ؟...
الجواب على ذلك ... في سوق الفرنج .. حيث الثمن باهظ ولكن البضاعة جيدة ... ومن يدفع الثمن يحق له الانتقاء !
كثر التحدث عن ام سليم وعن معجزاتها في ضرب المندل وفتح البخت وكشف اسرار المستقبل وحل طلاسم النحس والسعادة والحب والزواج والطلاق والى آخر ما هنالك من قضايا الحياة العامة والخاصة .
وطبعاً لام سليم ثمة معينة من النساء في هذا البلد وغيره في الجوار . هؤلاء ينظرن الى ام سليم نظرة جد ويثقن بها وينتظرن الفرج عن طريقها .
ويضيق المجال هنا لتعداد الوقائع الطريفة والحوادث السخيفة وما يتبعها من ذيول وملابسات تضحك حيناً وتنقلب الى مأساة حيناً آخر ...
وفي مجلس كان يضم حفنة من السيدات والآنسات ، يتحادثن ويتسامرن في مواضيع شتى ، حيث احداهن تقترح ان يصار الى دعوة ام سليم الى حفلة تبولة ساهرة واقناعها بضرورة اقامة « مراسيم » ضرب المندل للكشف عما سيصير اليه الوضع في البلاد ومعرفة الجانب الذي سينتصر على خصمه .. !!
والمعروف عن ام سليم انها تعرف كيف تحافظ على مكانتها بما تحيط مهنتها من « رفعة » و « وقار » وما تبديه من تحفظات وما تعده من حسابات جميعها تقترن بالشمس والقمر والنجوم والكواكب والفلك وايام الاسبوع وفصول السنة ، والطول والقصر وحروف السماء ولون العيون ، الامر الذي يدفع اللواتي تقودهن الدعايات الى الاتصال بام سليم الى التصديق الشديد واعتقاد راسخ لتصديق كل كلمة تفوه بها كاشفة الغيوب وفاتحة الغيوب ام سليم هذه ..!
وما ان سمع الحضور اسم ام سليم حتى توقف الحديث عن كل شيء وخيم جو من الجد .. والوقار ، واشرأبت اعناق السيدات والآنسات وتركزت حولهن للاصغاء الى صاحبة الاقتراح .. فاذا بالسهرة تمتد والقيل يقصر ولكن الحديث عن ام سليم لا ينتهي .
فغادرت المكان قبل ان اقع في هستيريا الاعتقاد وتصديق ما سمعت من مغالاة في سرد القصص والخرافات والاساطير عن ام سليم ومعجزاتها .
خرجت وانا اندب هذا الجزء من المجتمع المريض ... مجتمع لا يزال ينمو بعقلية انسان القرون الوسطى ..
مهلا يا قوم ... انت ولا شك من اللواتي ابتلين بالجهل .. فلا لوم عليكن .. اما ونحن الآن نعيش في قرن حضاري غني بالعلوم والفنون ، فلم يعد لام سليم وامثالها من اصحاب الشعوذة والاحتيال من مكان تحت الشمس . فالانسان قد سبر غور الارض وقاس الكواكب والنجوم وفتك بملايين الاوبئة والميكروبات واجرى الجراحة في القلب والشرايين ، وغاص في اعماق الماء ، وامطر سحب السماء وابتدع واخترع وكشف آلاف المعجزات والعقد في الطب والصناعة والزراعة والطبيعيات والفيزياء والكيمياء ، لا بالاعتماد على ام سليم وامثالها ، بل عن طريق العلم الاصيل والاحصاء والفن والبحوث ..
فالمرء صاحب العقل الكامل لا يمكن ان يؤخذ بترهات ام سليم ... فلا تدعن المثل القائل : « ان المرأة بنصف عقل » يصح الاخذ به !...
كان الوقت صباحاً وأنا جالس في أحد البوسطات والسرور يشرح صدري وانا ذاهب لمحاسبة احدى شركات الاعلان المتعاملة مع « صوت المرأة » ، وقبض الفلوس في هذه الايام العصيبة يدعو المرء حتماً الى السرور والانشراح والانفراج .
وفيما كنت انحصر للوصول الى مكاتب الشركة في الموعد المحدد ، اذ بفتاة وسيمة الطلعة جميلة المحيا تصعد البوسطة وتجلس في مقعد امامي ، وقد حانت منها التفاتة نحوي وركزت نظراتها علي بشكل ، كان يبدو ، مغرياً للغاية . وكثرت التفاتاتها حتى خيل الي ان هذه الصبية كانت تحلم بطيفي طيلة الليل ، وها هي الآن تجدني في البوسطة حي ارزق !! فأثارت اهتمامي واجتذبت شعوري نحوها ، وهي ترميني بسهام عينيها الجذابتين ، وتغرها الذي بدا وكأنه يريد ان يفوه بشيء ، في ازدواج النطق والابتسام !! فذبت في الغرور وانا اتيه فرحاً وغبطة وتذكرت ايام الصبا الباكرة واقنعت نفسي بأني لا زلت على شيء من الجاذبية والاغراء !!
ولسان حالي يردد أقوال المغفور له أحمد شوقي : « نظرة ... فابتسامة ... فسلام ... فكلام ... فوعد ... فلقاء » ... هكذا الحب وإلا فلا !!
ولم انتبه إلا والبوسطة قد وصلت الى نهاية الخط واستدارت عائدة ... وما تزال الفتاة ترمقني بنظرات ناطقة ... وكلما حاول احدنا الابتسام للآخر حدث تحول نفسي اشاح بوجهنا عن بعضنا ، خجلاً ..!
ها أنا اعود من حيث اتيت وبنفس السيارة والفتاة ايضاً تعود معي ... حتى ان مساعد السائق لاحظ ذلك ، فتغلبت على ارادتي الضعيفة ونزلت من البوسطة ، فاذا بالصبية تتبعني !...
والآن ، وقد انفرجت شفتي هذه « الحورية » عن ابتسامة عذبة واقتربت مني تقول : « مش انت اسطفان الكندرجي في سوق الجميل ... » وقبل ان افيق من ذهولي : استرسلت : « طيب اذا كان ما بدك تشتغل لي السكرتينة ... عمول معروف رجلي حقها ... ليش عم تتهرب ؟... » فعدت الى حالتي الطبيعية . فمالكت اعصابي واخرجت هويتي وعرضتها على « الجنية » مع بعض العبارات نطقت بها انقاذاً للموقف... موقفنا الاثنين مما الذي بدأ مضحكاً ...
عدت مسرعاً الى مكاتب شركة الاعلان بسيارة تاكسي وانا العن « الهوى والشباب والامل المنشود ... » وصعدت السلالم وانا اهذ من الجهد والغيظ ، واستقبلني فراش الشركة بقوله : « ما في حدا بالمكتب .. اليوم نهار سبت .. معلش .. شرف السبت القادم » !..
البيو ديب


