فمشيت انا ودندن وراء الغزلان نصعد الى التلال ونهبط الى الوديان ونلف الدروب وسط الغابة الخضراء حتى وصلنا الى مكان جميل تراءى لنا انه في وسط الغابة ، تفوح منه رائحة الزهور وتغرد فيه جميع الطيور وتزقزق في اعشاشها وعلى غصون الاشجار قبل ان تأوي الى النوم . فتعجبنا من ذلك ولكن عرفنا حالاً ان الطيور من عاداتها ان تزقزق وتغرد قبل ان تأوي الى عشها لتودع غروب الشمس وتنام حتى الصباح ، ولتعود الى الطيران والتغريد مرة ثانية مع شروق الشمس .
فنظر صديقي دندن يميناً وشمالاً وشرقاً وغرباً وقال : « اني ارى الغزلان قد توقفوا عن السير .. لا بد انهم وصلوا الى كوخ الشيخ تامار .. ولكني لا ارى اي كوخ في هذا المكان » . فقلت له : « لا تحزن يا صديقي انتظر قليلاً حتى نرى ماذا سيفعل الغزلان » فانتظرنا خلف جزع شجرة كبيرة وقلوبنا تخفق من الخوف لئلا ينتشر الظلام قبل ان نكتشف كوخ الشيخ تامار .
وفيما نحن ننظر الى بعضنا دون ان نعرف ماذا سنفعل اذا بقينا لوحدنا في الغابة بعد غروب الشمس ، سمعنا صوت سنجاب صغير فوق رؤوسنا فنظرنا اليه فاذا به سنجاب جميل جداً وله ذنب عريض مرفوع فوق ظهره كأنه بجريدة نخيل . فلما رآنا السنجاب وعرف اننا غرباء عن الغابة وكذلك عرف باننا نحب الطيور والحيوانات ولا يمكن ان نضربه او نؤذيه او نشد ذنبه الجميل . نزل الى الارض وبدأ يقفز ويلعب ويقوم بحركات بهلوانية جعلتنا نضحك وننسى اننا لم نكتشف بعد كوخ الشيخ تامار وحتى اننا نسينا الخوف من الظلام الذي بدأ يخيم فوق رؤوسنا .
وبسرعة ركض السنجاب الى جهة الغزلان وبدأ يقفز على ظهر كل غزال لوحده ويأخذ قطعة الثياب المنشورة على قرني الغزال ويلفها بيديه الصغيرتين ويضعها على ظهره ويركض عائداً الى جهتنا ويتسلق الشجرة الكبيرة التي نقف تحتها .
هكذا ظل السنجاب ينزل ويصعد الى الشجرة وكل مرة معه قطعة ثياب الى مكان عال وسط اغصان الشجرة الكثيفة دون ان نتمكن من رؤية المكان الذي كان يقصده لأن الظلام قد زاد واصبح من الصعب ان نميز الاشياء من بعيد .
ولما انتهى السنجاب من عمله نزل من الشجرة ووقف امامنا واخذ يركز كز باسنانه ويشير بذنبه الى مكان معين من الشجرة .
فانتبهنا الى حركاته ونظرنا الى المكان الذي اشار اليه بذنبه . فاذا بنا نشاهد باباً صغيراً في جزع الشجرة من جهتنا الخلفية . فدخل السنجاب اليها وتبعناه ونحن نضحك من حركاته وكم تعجبنا عندما رأينا قلب الشجرة محفوراً بشكل عتبات تماماً مثل عتبات الدرج فمشينا عليها وسط جزع الشجرة وصعدنا ونحن نتلمس طريقنا بيدينا من شدة الظلمة . حتى وصلنا الى آخرها في وسط الشجرة ونظرنا حولنا فاذا بنا في كوخ كبير وجميل جداً وفيه فراش من ريش الطيور وعلى الفراش كان الشيخ تامار نائماً يتلوى من الالم . فصرخنا معاً : « صديقنا تامار صديقنا تامار !! ماذا حصل لك يا شيخنا الظريف ؟ »
واقتربنا من تامار ونظرنا الى وجهه . ففتح عينيه وانتعش لرؤيتنا بقربه فساعدناه على الجلوس وطلبنا اليه ان يخبرنا عن سبب مرضه فقال :
كيف عرفتما مكاني ؟ ومن ارشدكما اليه .. فقصصنا له كل ما حدث لنا منذ دخولنا مع رفاقنا الاطفال الى الغابة حتى مشاهدتنا الغزلان يغسلون ملابسه ، ولم ننس حتى وصف حركات السنجاب وقفزاته المضحكة ، فضحك تامار معنا وفرح واستوى جالساً في فراشه كأنه نسي وجعه وقال لنا : اتعلمان لماذا اضحك معكما ؟ ..
- لماذا يا شيخ تامار قل لنا لماذا تضحك معنا ؟
فاجاب تامار وهو يضحك ايضاً : « لان هذه المرة انتما اللذان حكيما لي حكاية مغامرتكما في الغابة . وهذه اول مرة اسمع حكاية يقصها علي الاطفال .
نونو

