

ومع أن ليست هنغاري ، وشوبان بولوني ، فقد استوطن كلاهما فرنسا ، وأحبتهما وأحباها ، وأخذا عنها الرقة والعمق ، وعن وطنيها الأصليين قوة الابتكار ...
إلى هنا يترافق العبقريان ، والآن نترك ليست لننصرف إلى شوبان ، وهو موضوعنا هذا المساء ، فنرى أن شخصيته استطاعت أن تجمع بين تيارين في الموسيقى الغربية ، أحدهما عقلي جاف ، والآخر عاطفي مائع ، فكوّنت منها تياراً واحداً توازنت فيه العقل والعاطفة ، فلا العقل جافاً ولا العاطفة مائعة ، وبذلك كتب صفحة جديدة في تطور الموسيقى . أما مراحل حياته العاطفية ، فلن أتوسع في سردها لأن هذه الناحية تدخل في تاريخ الأدب كما ذكرت ، ولكنني ألمع إلى حادثة واحدة ، كان لها الأثر
ومع أن موسيقى شوبان قد أُغطت حقها في بادئ الأمر فهي تحتل اليوم المكانة التي تليق بها ، وهناك اعتراف شامل بأن شوبان هو سيد البيانو دون منازع ، بعد أن وجه إليه جميع قواه وأفكاره ، حتى استطاع أن يجعله لغة شخصية كما سنلاحظ
ولا يجوز أن ننسى ، ونحن نصغي إليه ، أن هذا العبقري قد حمل موسيقاه ، فوق علمه الواسع وموهبته النادرة ، أجزاء نابضة من حياته الخاصة . ومع ذلك فهو لا يعنون قطعه بل ينمرها لاقتناعه بأنها من الموسيقى الصافية ، التي تتخطى الموضوع والآن إليكم بالبولونية الأولى لشوبان .
ولكي نستطيع تذوقها ، علينا أن نتصور أنفسنا في بهو كبير ، وقد جلس الأطفال في زاوية منه يتسامرون ويلعبون بالدمى المختلفة التي بين أيديهم ، هذا يتخيل أن السنيورة التي بيده ، ترقص على الثلج ، وذلك يتصور أن أولاده يريدون أن يقوموا بنزهة في ضوء القمر ، والثالث يصف الأخشاب الملونة التي بين يديه جنوداً على أتم الاستعداد للزحف ، وبين هذه التخيلات تقوم المشادات البريئة بين الأطفال ، يتخللها البكاء حيناً والضحك أحياناً كل ذلك يجسده لنا ديبسي ألحاناً من النوع الوصفي التصويري ، غنية بالميلوديا التي تتنوع بنسبة تنوع المشهد ، محافظة على الجو الواحد من أول القطعة إلى آخرها .
وفي هذا النوع من الموسيقى لا بد لنا من تذكر ما أوصى به بتهوفن في كلامه عن السيمفونيا الريفية إذ شدد على ضرورة عدم التبسط في ربط كل صوت بالصورة أو الحالة التي يمثلها ، ذلك لكي تبقى للمتذوق لذة الاكتشاف ، وأنا ، وإن أعطيت الخطوط الأساسية لهذه القطعة
— البقية على الصفحة ٣٤ —