الاستاذ فايز صائغ ، احد اساتذة الفلسفة في جامعة بيروت الاميركية ، وهو من مفكرينا الذين يتنزعون نحو «الفلسفة الكيانية في تفكيرهم». ولقد اسس ندوة لدراسة «كير كيفارد» اب الفلسفة الكيانية ، تضم بعض خريجي دائرة الفلسفة في الجامعة وبعض المفكرين المهتمين بكير كيفارد . وقد رأينا بهذه المناسبة ان نطلب منه تحديدا للفلسفة الكيانية ، فكتب لنا المقال التالي .
نطاق المدلول
تطلق كلمة «فلسفة كيانية» بمعنيين : معنى اول ، شامل ، واسع ، ومعنى ثان ، ضيق ، متخصص .
أ - «الفلسفة الكيانية» بمعناها الاشمل ، هي كل فلسفة تتجه في انتباهها واهتمامها شطر الكيان ( الوجود ) ، فهي ، بهذا المعنى ، نقيض كل جهد فكري يبدأ ، لا من تحليل الوجود كما هو ، وتحكيم الوجود وتركيباته في التصورات العقلية بل بالحري من تصور الوجود وتركيباته ، وافتراضه ، بناء على التركيبات العقلية ، اي انها ، بهذا المعنى ، تطبق العقل على الوجود ، ولا تفرض الوجود كما يشاء العقل . انها « كيانية » بمعنى انها تقر « باسبقية » الوجود على العقل
المتفلسف ، وضرورة انصياع الاخير لمقتضيات طبيعة وتركيب الاول .
( ب ) لكن « الفلسفة الكيانية » بمعناها الخاص - وهو المعنى التكنيكي الذي اصبحت تعرف به ، هي الفلسفة التي تبدأ من الكيان البشري ، من انسانية الانسان ، وينحصر ، ضمن فهم هذا الكيان وتحليله ، كل جهدها . فكلمة « كيان » بهذا المعنى ، تنكمش سعة حتى تحصر في الكيان البشري . ولكن الفيلسوف الكياني يثق ان هذا الانكماش في السعة يبرره في النهاية انه ينكمش الى حيث تحصر « الكثافة القيمية » : فالكيان الانساني ، وهو جزء من الكيان عموماً هو زبدة هذا الكيان الاعم ، مركز الثقل فيه ، حيز انحصار القيم العليا ، مقر حشد القيم الروحية . لذلك فالفيلسوف الكياني لا يرى خيراً من هذا الانكماش في السعة ، ما دام يبرره ويعوض عنه استزادة في القيمة .
ولا بد لي هنا من كلمة حول تعبير « كيان » فان الاصح ان تكنى الفلسفة الكيانية « بالفلسفة الحياتية » نسبة الى الحياة ، لولا ان « الحياة » مدلول اكتسب ، بفضل العلم ، صيغة بيولوجية خاصة ، واتسع
حتى ضم كائنات غير بشرية ، كالحيوانات والنباتات ، ولو كانت ثمة كلمة تدل على الحياة البشرية فقط ، لكان انتساب الفلسفة اليها افضل من انتسابها الى الكيان ، كما هو الحال الان . وذلك لان كلمة « فلسفة كيانية » الان بمعناها المختص ، تلتبس بالمعنى الشامل المذكور في اعلاه .
مفترضات الفلسفة الكيانية
بالمقارنة مع متضمنات
الفلسفة اللاكيانية
لقد حددت فيما مرّ النطاق الخارجي الذي تنشأ ضمنه الفلسفة الكيانية . لكن هذا التحديد لا يعرفنا عن حقيقتها مطلقاً ، وانما هو يدلنا على المقر الذي تنبثق فيه وحسب .
فالتعرف الحقيقي الى الفلسفة الكيانية يجب ان يتم بالتعرف الى متضمناتها الاساسية وهذه لا تفهم حقاً الا بالقياس الى المتضمنات المعاكسة في الفلسفات اللاكيانية - في الفلسفات الميتافيزيقية عموماً كما عرفت في التاريخ . فلنعرض لهذه المتضمنات مقارنين بسرعة
(أ) يمكننا ان نقابل هذين الطرازين من الفلسفة ، اولاً ، من حيث منشأ كل منها .
فالفلسفة « اللاكيانية » ولندعها - لنشمل كل ما يقع ضمنها من فلسفات مختلفة - الفلسفة الاكاديمية Academic Philosophy تنشأ من « رغبة في المعرفة » ، هي بالحقيقة نوع من « الفضول » curiosity .
وقدماً قال ارسطو ان الفلسفة منشأها « العجب » او « الحيرة » او « التساؤل » او « الاستهجان » wonder وهي ، بهذا المعنى ، تبتغي المعرفة غاية بنفسها ، وتنطلق لان تعرف تخلصاً من الجهل . فالمعرفة - بنظرها - قيمة بحد ذاتها ، والجهل « لا قيمة » بحد ذاته .
اما الفلسفة الكيانية فتنشأ لا من هذه « الرغبة » ، بل من « قلق » كياني يستولي على الفيلسوف فيسلبه الراحة . انه قلق يمس الكيان ويهزه هزاً : لانه قلق يتعلق بالمشاكل التي تمس الكيان البشري مساً صميماً .
وبهذه المناسبة يمكننا ان نميز بين « نقطة الابتداء » في كل من الطرازين الفلسفيين : فنقول ان الفلسفة الاكاديمية تعالج « مسائل فلسفية » ، بينما الفلسفة الكيانية تعالج « مشاكل كيانية » .
ويمكننا ان نميز ، بناء على هذا كله ، بين الفيلسوفين : فاذا لجأنا الى التمييز الذي وضعه فيثاغورس بين الناس ، قائلاً ان الحياة كالمباراة ، وان الناس على اقسام ، فمنهم المتبارون ، ومنهم المتفرجون على المباراة ومنهم مستغلو المباراة ، جاز لنا ان نقول ان الفيلسوف الكياني هو من المتبارين في الحياة ، بينما الفيلسوف الاكاديمي هو من المتفرجين على المباراة .
( ب ) والتمييز الاساسي الثاني هو تمييز بين مواضيع الطرازين من الفلسفة . فالفلسفة
