
الأكاديمية موضوعها معرفة الحق يعنى «مبدأ الوجود الأول» ، أو «التركيب الوجودي» . وهنا ينشأ الميتافيزيق بمعناه الخاص - الانثولوجيا .
أما الفلسفة الكيانية فموضوعها الأول والأخير الكيان البشري ومشاكله . وتمركز الفلسفة الكيانية حول المشكلة البشرية أمرٌ يربطها بالأخلاق ، والدين والسياسة ، والاجتماع ، وسائر مشاكل الشخصية البشرية ، والله - قبل أن يربطها بالطبيعة وسننها وتركيباتها ، والوجود عامة ومقولاته الرئيسية .
(ج) والتمييز الثالث يتبع هذين : فالطرازان الفلسفيان هذان يتميزان من حيث نوعها . فالفلسفة الأكاديمية فلسفة عقلية ، يعالج فيها العقل «مسألة» بصورة متجردة ، كأنه يلهو بحل الألغاز . وليست مبالغة أن ندعوه ، في معالجته عقلا لا مباليًا بالنتيجة - Disinteresteb فليس يهم العقل أية نتيجة يتوصل إليها ، وإنما يهمه وضوح النتيجة وارتباطها المنطقي المنسجم مع الحقائق الأخرى . ومن هنا نشأ قول أرسطو أن الفلسفة الحقيقية هي جهد «عديم النفع» Useless جهد «كمالي» Luxurious . أما الفلسفة الكيانية ففلسفة لا تجرّد العقل عن الكيان البشري بكامله ، بوعيه ولا وعيه بنزعاته الدفينة ورغباته ، بقلبه وضميره . وهي لذلك لا تستطيع
أن تكون لا مبالية ، بل أنها تبالي كل المبالاة ، وتهتم كل الاهتمام . وهي ترقب ، باصغاء وعناية واهتمام ، مجرى معالجتها لمشاكلها ، والنتائج التي تتوصل إليها ، لأنها مشاكل حياتها أو موتها ، مشاكلها المقلقة الكيانية الفلسفة الكيانية تعتبر نفسها لا من باب الكماليات بل من باب الضروريات . وهنا ينطبق ما قاله سقراط عن إثارة المشاكل أن الحياة التي لا تثار فيها المشاكل هذه ليست جديرة بأن تحيا . الفيلسوف الكياني ، إزاء مشاكل مصيره وكيانه وقيمه لا يستطيع أن يلهو بالتفرج اللامبالي ، بل ينصب انصبابا يشمل سائر قواه ، انصبابا لا عقليا فحسب بل كليًا ، على مشاكله !
(د) والتمييز الرابع يتعلق بنتائج الطرازين الفلسفية . فالفلسفة الأكاديمية نتيجتها انسجام ووضوح نظري عقلي . أما الفلسفة الكيانية فلا تقوم ما لم تعبر عن نفسها ، من ضمن قياسها وانتباطها ، بتلاحمها مع حياة الفيلسوف . الفلسفة الكيانية لا تتجرد عن الحياة البشرية ، كجهد مستقل قائم بذاته ، كدائرة من الحياة منغلقة على نفسها : الفلسفة الكيانية تدخل في صميم الحياة ودخولها هذا من صميمها ، الفلسفة الكيانية تفعل في الحياة ولا تقوم إذا هي قامت فقط في العقل المفكر ، ولم تتجل أيضا في حياة المفكر . الفلسفة
الكيانية تأبى الاعتراف بتجزئة الكيان البشري ، إلى دوائر نشاط مختلفة ، بل ترى في هذه الدوائر تلاحما وتداخلا عضويا ، الفلسفة الكيانية ، التي تأبى أن تقر بتجرد العقل في منشأ الفلسفة ، وفي مجرى العملية الفلسفية ، تأبى أيضا بصورة خاصة أن تقر بتجرد العقل في نتيجة الفلسفة ، فالعقل جزء من الحياة : بها يتأثر في إثارة المشاكل ومعالجتها ، وفيها يؤثر لدن وصوله إلى النتيجة ، بل أن الفلسفة الكيانية لترى أن الحق الذي تنشده ليس نظريات محكمة الصوغ ، ليس آراء أو تصورات ، بل هو حياة . والفلسفة الكيانية ترى أنها لا تتوصل إلى هذا الحق نظريًا ، بل تتوصل إليه عندما يتجلى هذا الحق في نفس الفيلسوف ، عندما تنبثق حياة الفيلسوف الجديدة وهي الحق بعينه ! الحق هو داخلية الإنسان ، لا موضوع من مواضيع الإنسان . الحق هو الحياة الإنسانية . «الكلمة» في الفلسفة الكيانية لا ترمز إلى نظريات ، بل إلى لحم ودم يجعلان بيننا إنسانا ... (حسب تعبير يوحنا البشير) .
(هـ) ويتميز الطرازان الفلسفيان ، أخيرا ، في شكل التعبير عند نفسها . فالفلسفة الأكاديمية تخلق النظم الفلسفية system ، المسبوكة المتلاحمة المنسجمة . وفي النظام الفلسفي نجد هذه الفلسفة مركزًا لكل حقيقة
تتوصل إليها ، وجوابًا لكل سؤال فينشأ عندها نظام كنظام أرسطو ، أو المدرسة السكولاستيكية ، أو هيجل ، أو نظم أقل من هذه سبكًا ، لكنها تجاريها في نية السبك ، كنظم ديكارت وسبينوزا ولايبنز ورويس وهوايتهد . وبالقياس إلى مدى توصل الفيلسوف إلى نظام محكم السبك ، مغلق على نفسه ، يضم الحق ضمًا محتكرًا إلى صدره ، تقيس الفلسفة الأكاديمية نجاح الفيلسوف أو إخفاقه .
أما الفلسفة الكيانية فترى أن اهتمامها النهائي يجب ألا يكون في هذا الصوغ المنطقي الجامد ، بل يجب أن ينصرف بالحري إلى التعمق في معالجة المشاكل ، واقتباس الحق المتوصل إليه داخليًا شخصيًا . ومن يدري ، فلعل الكيان البشري مبني على التناقض الأساسي بحيث لا يسمح بالنظام المسبوك ؟ من يدري ، لعل حقائق كياننا هي بنفسها ثورة فوارة ، تثور على واقعها ، تأبى الانحصار في نظريات مصوغة صوغًا جميلًا ؟ فالفيلسوف الكياني لا يهمه ، في المقام الأول ، أن يتوصل إلى نظام فلسفي ، بل أن يكون مخلصًا لنفسه في معالجة مشاكلها ، وفي التحقيق المقلق العنيف لنفسه ضمن تناقضها . أنه ، خاطئًا ينشد الخلاص ، محدودًا في واقعه يأبى المحدودية في أمانيه ، عبدًا للطبيعة وللغير يأبى