العبودية، وينشد حرية نفسه، ويأبى أن تستعبده حتى حريته نفسها، وحيداً، كئيباً في وحدته، يأبى أن يتخلى عن هذه الوحدة في اجتماعية سطحية هي نوع من الفناء لشخصيته، أنه، في هذه المتناقضات، أغنى من أن يحصر واقعه في نظام هندسي بديع السبك، يجمد حيويته، ويحجّر كيانه، لكي ينعم العقل النظري بالنظر هنيهة إلى هذا الموضوع الجليل أمامه: هذا الموضوع الذي، بالرغم من جماله وسبكه، نستطيع أن نقول عنه كل شيء: سوى أنه يمثل الحياة!
لمحة تاريخية
بدأت الفلسفة الكيانية لا كطراز فلسفي قائم بذاته، بل كنزعة غير واعية، تطل بحياء ضمن مجرى الفلسفة عموماً. ولعلنا نلمح بعض مقدماتها، بادئ ذي بدء، في السفسطائيين، الذين - بالرغم من انزلاقاتهم إلى النسبية، ونشدان النجاح والمظاهر - نزعوا شطر الوجهة الصحيحة في ابتعادهم عن تأملات الفلاسفة اليونان الأقدمين الكسمولوجية والشبه ميتافيزيقية.
ثم اتضحت هذه النزعة بصورة أجلى في سقراط: الذي أعاد للإنسان مركزته في مشاكل الفلسفة، وأبى أن يبعد عن الإنسان ومشاكله في تفكيره. لكن سقراط الذي نعرفه، هو سقراط الافلاطوني، سقراط المسربل بميتافيزيقية افلاطون. وما أن جاء
أرسطو، وبعده التيارات الفلسفية اليونانية المختلفة، حتى كان الإنسان الحي قد ضاع بين مشاكل الفلسفة المختلفة، وحتى كان التفكير القلق المهم قد ضاع بين ثنايا التفكير العلمي الميتافيزيقي المجرد. وجاءت أخيراً الافلاطونية الجديدة فغمرت النزعة الكيانية وخنقتها.
ولا ننس أن نذكر الرواقية، التي، على خطأها في نتائجها، قد نهجت نهجاً كيانياً لا بأس به من حيث المشاكل التي تثيرها.
ثم جاءت المسيحية، وبوسعنا أن نقول أن المسيح يعبر تعبيراً صحيحاً عن اهتمامات الفكر الكياني الخالص. لكن بولس ويوحنا، نقلا مركز الثقل في المسيحية من المعالجات الكيانية إلى حيز اللاهوت، وأحلا العقيدة موضع الحياة في المسيحية. وتبعها في ذلك آباء الكنيسة، الذين يمثلون طغيان الروح اليونانية الميتافيزيقية اللاهوتية، على الروح المسيحية الشخصية الكيانية. وشذ بينهم أوغسطين، الذي نزع إلى التفكير الكياني بعض النزوع، و«اعترافاته» معين لا ينضب للفكر الكياني، لأنها بالحقيقة قصة حياة لا دفاع عن عقيدة، والعقيدة فيها إنما تتجلى في الحياة. وظل الفكر المسيحي بعد ذلك، وخاصة بفضل سيطرة أرسطو، ينزع إلى الفكر اللاكياني، حتى جاء التقليد «السكولاستيكي» يثبت سيطرة هذا الفكر. ولكن لا ننس أن في الحياة المسيحية من ظل يستمد وحيه لا من
تراث الكنيسة اللاهوتي، ومن اليونان، بل من شخص المسيح، ولهذا، ففي القديسين - في سيرهم، وفي كتاباتهم - نجد ما نستطيع أن نسميه فكراً كيانياً صحيحاً.
وجاءت العصور الحديثة، وتمثلت فيها النزعتان، ففي العصر الذي نشأ فيه ديكارت وسبينوزا، وهوبز ولوك والذي مهد لكانت وهيجل، لم نعدم أمثال باسكال في فرنسا وبنيان في إنكلترا، وبعض الشعراء الإنكليز أمثال جون دون ومدرسة الشعراء الميتافيزيقيين ولكن أهم هؤلاء كلهم باسكال ففيه تجسدت النزعة الكيانية إلى حد بعيد.
ثم طغى عصر الميتافيزيق والفلسفة الأكاديمية، غير أنه باسكال والزمر المشابهة له. إلى أن أتى هيجل، يمثل النظام الفكري الأكاديمي المجرد. فانبثق ثائراً عليه كير كيفارد، وكير كيفارد هو الذي صاغ كلمة «الفلسفة الكيانية»، وهو الذي نقلها من نزعة نحو نهج فلسفي، إلى طراز فكري خاص. ففي كير كيفارد إذن تطل الفلسفة الكيانية على حقبة جديدة في تاريخها، هي الحقبة الواعية.
ومنذ زمن كير كيفارد، وهذان الطرازان من الفلسفة في نزاع للسيطرة. ولا ننسى أن القرن التاسع عشر، عصر كير كيفارد، قد شهد اكتمال نزعة في الحضارة الإنسانية ابتدأت ببدء العصور الحديثة: هي نزعة الثورة على قيم العصور القديمة والمتوسطة، قيم اليونان والمسيحية، ومباشرة الحياة اعتماداً
على عقل الإنسان وقواه الطبيعية المجردة. وأثمرت هذه النزعة في الفوضى التي بدأت في القرن التاسع عشر، وماتزال مستمرة والحرب هذه من ثمارها. وفي فوضى كهذه يسهل رجوع الإنسان إلى نفسه. وفي رجوع الإنسان إلى نفسه يجد الفلسفة الكيانية تربة خصبة
لهذا نجد اليوم، في الفلسفة أمثال هايدجر وياسبيرز، وهما من قادة الفكر الغربي، كيانيان في نزعتها. ونجد في اللاهوت أميل برونر، من قادة اللاهوت البروتستانتي، قد أخذ ينزع نحو الكيانية في فلسفته ولاهوته وكذلك كارل بارث وكارل هايم إلى درجة أقل. وفي الفلسفة اللاهوتية نجد برديائف الأرثوذكسي، ينزع نزعة كيانية شخصية قوية وكذلك نجد اللاهوتي اليهودي مارتن بوبر، الأستاذ في الجامعة العبرية في القدس، وله قيمة فكرية عالمية، ينزع نزعة فلسفية دينية إلى الكيانية. ولا ننس من الفلاسفة نيتشه في القرن التاسع عشر، ومن الروائيين دستويفسكي.
وإلى جانب هذا المجرى - وأدعوه مجرى، لأنه لا يشكل بعد تراثاً - لا ننس المجاري المعاكسة: أمثال المجاري الفكرية النازعة نحو العلم، أو نحو الميتافيزيق. ولا ننس أيضاً المجرى الخاص النازع نحو اللاهوت والفلسفة السكولاستيكية، والعامل على إعادة توجيه النظر نحو التراث التومائي الذي يمثله بصورة خاصة جاك مارتيان الفرنسي.

