لم القب « مدينة » بيروت بالجمهورية لكونها كبيرة ، فبيروت ، يضاف اليها سائر لبنان ، تؤلف شارعا من الشوارع الثانوية في مدينة نيويورك او لندن او باريس ! ... وليس « التنظيم » الذي في بيروت هو الذي يجعلني القبها بالجمهورية ، تيمنا « بالجمهورية المثلى » لافلاطون ، لانني لو اردت ان القبها بالنسبة الى تنظيمها لقلت : « مجاهل بيروت » ! فهي لا تمتاز « بتنظيمها » عن المجاهل البربرية الا بكثرة الازدحام ...
كما انني لست اسميها مدينة ... فالمفروض في المدينة ان يتميز سكانها عن سكان « الكهوف » بمستوى معين من الثقافة الاجتماعية لكي يستطيعوا ان يعيشوا مجتمعين ... واول شرط في ساكن المدينة ان يكون قد بلغ المستوى الانساني ...
ولست اطمح ان تبلغ بيروت « كمال » المدينة الفاضلة التي تخيلها الفارابي ، فالكمال لله وحده ، ولكني اريدها ان ترتفع وترتفع وترتفع حتى تبلغ من حيث التنظيم ، والنظافة ، والسعي العمراني ، مستوى سائر المدن الشرقية ، ولا اقول الغربية ! ...
ولكني لا ازال خارج الموضوع ! فلقد لقبت بيروت بالجمهورية لان لبنان اصبح في بيروت ، والارقام تشهد على صحة ما اقول ! ففي لبنان اليوم نحو ثمانمئة الف من السكان ، من اصلهم ستمئة الف في بيروت ! فهل سمع احد بعاصمة تضم ثلاثة ارباع سكان البلاد ؟ وهب ان العاصمة رأس البلاد ، فهل يكون الرأس بدون الجسم ؟ انا اتصور هذا البلد مع عاصمته « كالبلعوط »
قبل ان يصبح ضفدعة ! اقول هذا ، مع يقيني ان بيروت ، من حيث « العبقرية » ، ليست راس البلاد ، ولكني قصدت التشبيه الكاريكاتوري. بيد ان الصورة الكاريكاتورية البشعة ليست اهم ما يعنيني في هذا المقال . فهنالك عناصر اساسية يجب ان تتوفر في كل بلد من البلدان اذا شاء ذلك البلد ان يقف على رجليه : منها التوازن الصحيح بين مدنه الصناعية والتجارية واراضيه الزراعية ، وذلك مفقود في بيروت ، ومنها النسبة بين مدينة ومدينة في البلد الواحد ، لكي تتعادل مراكز الثقل فتتعادل اسواق التجارة ، وتنظم اسباب السكنى . وبيروت اكبر عشرين مرة من اكبر مدينة تليها ؟ ... ومنها التوازن بين العاصمة ، والمنتجين والمستهلكين والمكلفين خارج العاصمة ، وذلك مفقود لان الاكثرية الساحقة من « المنتجين » او « المستهلكين » او « المكلفين » هي في قلب العاصمة . ومنها الراحة والرفاه والصحة في المدينة نفسها ! ولن اعيد التحدث عن الفوضى المستحكمة في كل الحقول ، ولا عن القذارة التي اصبحت لا تطاق ، ولا عن الغلاء ، ولا عن روح الاستثمار ، ولا عن فساد الاخلاق ، كما انني لن اتبسط في ذكر جميع المشاكل التي يمكن ان تنشأ عن هذا الخلل في التوازن بين عاصمة البلاد وسائر اجزائها ، بل اقول ان هجرة اللبنانيين الى بيروت لا تقل خطرا عن هجرة الصهيونيين الى فلسطين ، لان في الثانية حياة شعب وموت شعب ، اما في
البقية على الصفحة ٢«رشدي معلوف»

