
الشاردة من السماء ، وعطية الآلهة إلى أبناء الأرض ! آمنت بها . . . تنشد حبيبها تموز الأناشيد الحادة :
« كالشجرة على غرتها
هكذا وجهي يظلل وجهك
ومثل الحلية النفيسة
أخبئك في احشائي
في الليل اعطيك غطاءك
وفي النهار رداءك
لا تخف ، لا تخف
أيها الصغير الذي ربيته ! »
وهكذا ترون أيها السادة أن المرأة جاءت إلى هذا العالم ، ترش على الدنيا الأزاهر والأطايب وتلون الحياة بألوان الفن والشعر والجمال فاكرمها الرجل واحلها وأثرها من نفسه المنزلة العظمى ونصب لها التماثيل أنواعاً وأشكالاً ، وعبدها عبادة الرسام للوحته ، والشاعر لقصيدته والمؤمن لصلاته ومحرابه . . .
وكانت شولوميس . . . « التي لوحتها الشمس ، والتي رعت جداءها عندما كان الرعاة ، تلك التي اسندوها بأقراص الزبيب وانقشوها بالتفاح لأنها مرضت حباً . . . اللبنانية الأولى . . . من حرمون . . . من خدور الأسود . . . من جبال النمور . . .
اجعلني كخاتم على قلبك ، كخاتم على ساعدك . لأن المحبة قوية كالموت . الغيرة قاسية كالهاوية ، لهيبها لهيب نار لظى الرب . مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة . والسيول لا تغمرها . إن أعطى الإنسان كل ثروة بيته بدل المحبة تحتقر احتقاراً . »
وكانت العذراء . . . ! تلك المطهرة المصفاة ، سيدة النساء ، وخير الأمهات . »
آمنت بها تسفح دموعها ، سخية غزيرة على أقدام المصلوب ، وعيناها مسمرتان على خشبة الصليب ، تنوح فتقطع نواحها نياط القلوب . تتلوى هائمة مشردة اللب والخاطر ، ملعة القلب ، ممزقة الأحشاء ، تعدّ لجسد ابنها الحبيب الحنوط والأطياب فتعلم العالم أجمع درساً رائعاً في تضحية الأمهات . .
وكانت المجدلية ! . . باب جهنم وحجر القبر وبؤرة الخطايا . .
آمنت بها ! . . تشدها إلى الأرض أدناس الأرض ، وتتأكل في أحشائها شياطين الشهوة وتثور في جسدها براكين الشر والأثم والخطيئة . . . . وترى السيد . . . بعد أن ملأت أخباره سمعها ، وتلتقي العين بالعين ، ويخفق القلب للقلب ، فإذا بالأله الكامن فيه يلفها لفاً ليذبح حيوان الشهوة الكامن فيها ، وإذا بها مجدلية مطهرة ، مؤمنة تسفح دموع التوبة وتبلل قدمي السيد وتنشفها بشعرها الفاحم المرسل . .
وكانت الجاهلية ! . . وكانت ليلى بنت لكيز . . . أو
ليلى العفيفة . . .
آمنت بها . . تثيرها حرباً شعواء بين قومها العرب وبين الفرس لأن هؤلاء أرادوا الأعتداء على شرفها :
ليت للبراق عيناً فترى
ما ألاقي من بلاء وعنا
عذبت أختكم بأوبلكم
بعذاب النكر صبحاً ومسا
غلوني قيدوني ضربوا
ملمس العفة مني بالعصا
يكذب الأعجم مايقربني
ومعي بعض حشاشات الحيا
احذروا العار على أعقابكم
وعليكم ما بقيتم في الدنا
وكان الإسلام ! . . وكانت خديجة المرأة الطاهرة ، وأم المؤمنين وزوجة النبي الأمين . .
آمنت بها يقول فيها النبي العربي الكريم :
«لأوالله ما أبدلني الله خيراً منها : آمنت بي إذ كفر الناس وصدقتني إذ كذبني الناس ، وواستني بما لها إذ حرّمني الناس ورزقني الله منها الولد دون غيرها من الناس . واني لأحب حبيبها . . .
تلك التي عرفت بحكمتها ودرايتها أن تتربع هانئة مطمأنة في قلب زوجها فقضى معها زهرة شبابه ولم يتزوج عليها ولا أحب أحداً مثل حبه لها . وظل يذكرها طوال عمره ، ويكرم أصدقائها ومعارفها . . .
آمنت بها أماً يقول فيها النبي العربي :
« برّ أمك . ثم أمك ، ثم أمك ثم أمك ثم الأقرب فالأقرب ، وإذا دعاك أبواك فأحبب أمك أن الجنة تحت أقدام الأمهات . »
وكان العصر الأموي ! . . عصر المرأة العربية بحريتها الأدبية وحياتها الأجتماعية . . . عصر ولّادة . وعائشة بنت طلحة وجميلة وعزة الميلاء وليلى العامرية وبثينة وغيرهن كثيرات . . .
وكانت سكينة ! . . جوهرة العقد بنت الأمام الحسين ، وحفيدة فاطمة بنت النبي . . . المرأة الظريفة المزّاحة ! . .
آمنت بها تجالس الأجلة من قريش ، ويجتمع إليها الشعراء ، يلومها الناس لأنها غبنت على زعمهم ، لاستبدال مالها بالزوراء بقصر في العقيق يقال له البريدي . فتخرج ومعها جواريها ، تمشي في العقيق عندما سال ، حتى تجيء السيل وتجلس على جرفه
— البقية على الصفحة ٣٥ —