تبكيبة في رواية « ضاع تعب الحب » إلى كوميديا غنائية في « حلم نصف الصيف » ومن تراجيديا غنائية في روميو وجوليت إلى تاريخية غنائية في رتشارد الثاني إلى رومانتيكية مزيج من التراجيديا والكوميديا في رجلي فيرونا ، وفي تحفة هذا النوع الخالدة « تاجر البندقية »
وقد يطلع علينا مثليا سياسيا بشخصية بروتس في تراجيديا يوليوس قيصر ، أو مثليا ثقافيا في هملت ، وأخيرا يطل شكسبير العظيم ، المسرحي الخارج عن حدود الوصف في كنغ لير ومكبث
أما شعره فيجملنا ، كمسرحه ، على الشك في صحة ما يحدثنا به التاريخ عن فقر ثقافته ، فهو على فمه منه عالية ، وأنني - كما قلت في مقدمة المواعيد لصلاح لبكي - أرى الشعر ككل خلق انساني ، لا يكون إلا بعد اكتمال الإنسانية في النفس الموهوبة ، وهي لا تكتمل بغير الثقافة . فتلك العمارة عمارة الحضارة التي ما برحت همّ الإنسان منذ كان الإنسان يبنيها من الملهمين أولئك الذين رافقت نفوسهم مراحل الإنسانية كلها ، ثم تلخصت من خلالهم أمماً وعصوراً فاصبحوا أن تألموا فشعب يتألم ، أو تاقوا فجيل يتوق !
أما العمارة فواحدة تعلو وتكتمل وتبقى واحدة على اختلاف العصور وعلى تعدد أساليب التعبير بين شعر وتصوير وموسيقى ، وعلم وفلسفة وتصرف . كل ما كان من ذلك في صلب الحقيقة فهو حجر من تلك العمارة .
أما طابع الموهبة واختلاف العصر والأقليم ، وتغير النوع التعبيري ، فقد تؤثر في رونق الحجر أو قياسه أو موضعه ، ولكنها لا تخرج به عن كونه حجراً ، وحجراً في تلك العمارة نفسها .
نسمع عن مدارس في الشعر بين واقعية ورمزية وتأثرية ، وعن مذاهب في الفلسفة ينقض بعضها البعض ، ونسمع عن عصر للأدب يختلف عن عصر ، وعن بيئة للفكر تبتعد عن بيئة ، ونصبر على الزمان فإذا صحيح كل ذلك يتلخص في ثروة إنسانية واحدة ، نسميها الكلاسيكية عادة أو عمارة الحضارة كما سميتها هنا ، فيها لكل فن جناح ولكل فكر زاوية ، لكل عصر مدماك ولكل عبقري حجر .
أما التصميم فواحد خلقته عبقرية الإنسانية لا عبقرية الإنسان وبينه عمر التاريخ الذي لا يجد حتى بإعمار العباقره . وما أكثر الحجارة التي رمتها الأجيال بعيدة عن تلك العمارة لأن حاملها لم يستطع بلوغ المدماك الأخير ، أو لأنها أتت من خارج التصميم ، فليس يزيد في العمارة بناء لا سلم عنده ، وكذلك من بلغ رأس السلم ولا حجارة جديدة بين يديه .
الثقافة والموهبة كلاهما ضروري في بناء الحضارة .
فكيف يمكن أن نشك في ثقافة من له في العمارة ، كوليم شكسبير ، زوايا
من مرمر ومداميك من رخام !
ولئن حاولت أن أخلع على هذه الدراسة الموجزة أبسط ثوب ممكن ، فمن أجل التسهيل على السامعين . ولكنني لست أزعم أنني عرفت أحداً على شكسبير أو عرفته أنا نفسي . فالمشاكل التافهة حوله ما أشبعها العلماء درساً بعد ، فتهجئة اسمه وحقيقة وجوده وتاريخ ولادته وأخطاء الأملاء عنده ، وصحة صوره ، كل هذه أمور كتبت فيها المجلدات ، فكيف بعصره وحياته ومسرحياته وشعره وهي الأهم ؟
لذلك أنصح من شاء أن يتمتع بما قدمه هذا المعلم الكبير لثقافة الإنسان ، ولناحية الجمال منها بصورة خاصة ، أنصحه أن يضرب صفحاً عن كل ما كتب ويكتب عنه ، بما فيه هذا الحديث ، وأن يقرأه بهدوء وأمعان مرة بعد مرة ، ومرات بعد مرات ، إلى أن يهتدي إلى مفاتيح عبقريته ، فيكفل إذ ذاك لذة بناءة تتجدد كل يوم إلى آخر العمر وأن طاول عمر الخلود !

