
من الخير ان نعود ، بين الاونة والاونة ، الى ما ألفناه سابقاً من الموسيقى الغربية ، فنربط حاضر ذوقنا بماضيه ، ونقارن عن وعي بين ما هو كلاسيكي بحت ، وبين ما هو شبيه بالكلاسيكي ، لذلك نقدم هذا المساء قطعة لجوهان ستروس ، الملقب بملك الفالز ( وهو جد جوهان ستروس الحالي مدير الاوركسترا الشهير ) وكلاهما ساهم في نشر هذا النوع من الموسيقى في انحاء العالم .
ولد جوهان ستروس ومات في القرن الماضي . ومع ان هناك اناساً لا يحسبونه من الموسيقيين العبقريين كبتهوفن وبرامس وباخ ، او حتى كرتشرد ستروس فقد استطاع دائماً ان يملك القلوب ، سواء بتفننه في الميلوديا ، او برقة عاطفته ، او بقوة الايقاع عنده . وليس بالامر اليسير ان ملايين القدود الحلوة اليوم تتمايل بأناقة على انغامه . ولقد صح فيه انه لم يكن موسيقياً فحسب ، بل كان سلوى وتعزية للانسانية ، ولا غرابة ، فلبعض القطع التي ألفها عشاق امينون ، كيف لا وهو صاحب Le Beau Danube Bleu وصاحب اوبرتا « الوطواط » التي سنسمع افتتاحيتها هذا المساء ، وهي قطعة تتمتع بشهرة عالمية تحسدها عليها قطع كثيرة لمؤلفين كثيرين .
ويكفي ، لمتابعة هذه القطعة ، ان نتصور مطاردة وطواط ، وكل ما يمكن ان يكون حول ذلك من اصوات وحركات ومن جد ودعابة ، جميع ذلك في جو غني بتنوع الميلوديا ، وابتكار الانغام التي تلعب بعواطف الناس ، وتكاد
تحركهم عن غير قصد . ولا يجوز ان نستغرب ما فيها من تنوع ، لان هذا الشكل من الموسيقى ، شكل الاوبرتا ، يشترط فيه ان يشمل عدداً كبيراً من الانواع .
وليس الوطواط فيه البقية من شكل الاوبرتا القديم يوم كانت تقترب من الاوبرا الهازلة التي قدمنا منها مثلا « حلاق اشبيلية » ، اما الاوبرتا بشكلها الجديد فقد ابتدأت بهذه القطعة التي سنسمعها الليلة ، وقد يتاح لنا ، في فرصة مقبلة ، ان نصغي الى قطعة اخرى من النوع نفسه .
نتابع اذاعاتنا الكلاسيكية في السابعة والنصف من مساء كل اربعاء ، فنقدم هذا المساء دراسات لابيانو من تأليف الموسيقي للموسيقى بالاصل البولوني النشأة فريدريك شوبان الذي عاش في القرن التاسع عشر . ويختلف شوبان عن كثيرين من الموسيقيين بانه لا يعطي عناوين لتأليفه لانه يعتبرها من الموسيقى الصافية ويختلف ايضاً عن كثيرين ممن ألفوا لابيانو بكونه لا يعتبر البيانو مجرد آلة مساعدة للاوركسترا ، بل يعتبره آلة مستقلة بنفسها .
ومع اننا لا نستطيع ان نتبع قصة معينة في هذه الدراسات السحرية الغامضة التي نسمعها لشوبان ، فنحن نستطيع اذا احسنّا الاصغاء ، ان نرافق الموسيقي في عذابات حبه وصداقاته ، وفي ترديد اصداء الحوادث اليومية ، وفي خوفه من الموت ، وفي غير ذلك من المشاعر العميقة التي تتجلى لنا من خلال مقدرته الفائقة
على التعبير . فهو مؤلف حر عجائبي لا تقيده قواعد التعبير المألوفة في اعلان عواطفه الصعبة التحديد ، ولعل لقوة الابتكار عنده علاقة وثيقة بوطنه الاصلي .
واننا ، في تذوق موسيقي طريف وغامض كشوبان ، جدير بنا ان نعرف شيئاً ولو موجزاً عن تاريخه العاطفي الذي تبع جميع تآليفه بصيغة شخصية تكاد تكون ملموسة . ولعل اهم ما في تاريخ شوبان من هذه الناحية هو جرحه القلبي المسبب عن علاقته الفاشلة مع Marie Wodzinska تلك العلاقة التي لم تنفعه بعدها جميع اتصالاته ، حتى بجورج صاند .
ولقد كتب الكثير من التعليق على تآليف شوبان التي تعرف كيف تعكس عصراً كاملا ، ونفساً عميقة الاحساس ، ولكن الاراء اجمعت في النهاية على ان خير من يشرح موسيقى شوبان موسيقاه
● للنساء غرائز تحبب اليهن القسوة وقد فعلنا نحن الرجال كثيراً لتحريرهن ، فأبين الا ان يكن لنا عبيداً ، والا ان نكون لهن اسياداً .
«اوسكار وايلد»
● لم يصنع الله المرأة من رأس الرجل لئلا تسود عليه ولا من فخذه لئلا يتعالى عليها . بل صنعها من جنبه لتكون مساوية له ، ومن تحت ذراعه لتكون تحت حمايته ومن قرب قلبه لكي يحبها .
« بلزاك »
● لو كانت تلك المرأة بازيا علقت به الياف قلبي لأطلقته وتركته تحت العواصف يبحث عن صيد يتصيده . « شكسبير »