لكل طفل - كما للكبار - فترات غضب وثورة تختلف في شدتها حسب مزاج الطفل وطريقة تربيته . وعاطفة الغضب اذا وجهت بصورة صحيحة عندما تكون لسبب وجيه كالغضب للكرامة وعدم قبول الاعتداء مثلاً تكون ذات فائدة عملية في مستقبل حياة الطفل وتؤدي الى تعلم الطفل طرق الانتقاد الصحيح والاستياء والاعتراض على الاشياء التي يكون السكوت عنها وعدم الغضب لها نقصاً في شخصية الانسان . والطفل الذي تعود ان يعطي سبباً معقولا لكل امر يمنعه عنه ابواه . فهو يثق كل الثقة بصحة رأيها لانه تعلم بالاختبار ان يسمع منها السبب الصحيح المعقول .
اما ما اقصده هنا بالثورة العصبية فهي ذلك الانفجار الفجائي الجارف المصحوب بالصراخ والرفس او الشتم وضرب من حوله وحذف الاثاث الخ .. وتحدث هذه الثورات في اكثر الاحيان نتيجة لعدم اجابة رغبة الطفل بسرعة وبدون قيد او شرط .
والطفل الذي يثور كلما اغضب والذي يحصل عن طريق هذه الثورة على اطاعة والديه لا يرغب ابداً ان يعمل حسب اشارة الاخرين .
فهو يثور مثلاً اذا طلب منه ان يذهب الى الفراش او ان يغسل وجهه او بأكل لوناً معيناً من الطعام لا يرغب فيه .
وقد يستخدم الطفل هذه الثورة العصبية ليتلافى عقاباً سينساله فيخيف الابوين بثورته فلا ينال العقاب المنتظر .
وقد يثور الطفل الاناني اذا طلب منه ان يشرك شخصاً آخر بطعامه او حلواه او لعبه او اذا لاطفت امه طفلاً آخر
فيصرخ باستمرار الى ان يتوقف سبب استيائه .
وربما ثار الطفل الذي اعتاد هذه الثورات لغير ما سبب واضح . فلقد سمعت مرة اماً تقول لطفلها : انظر يا عزيزي هذه صورة عمو فلان . فاذا به يصرخ صائحاً بانها ليست صورة عمو فلان ويلح ويكرر ذلك بملء العصبية على امه التي لم يسعها الا ان تقول لاسكاته « حسناً » انها ليست صورة عمو فلان .
وبعد ايام قليلة رأى الطفل الصورة نفسها فاذا به يلتفت الى امه بكل هدوء ويقول : انظري يا ماما هذه صورة عمو فلان .
وذكر نفس الاسم الذي اثار ثائرته في المرة الاولى ، وهذا احد الامثلة على الثورة لغير ما سبب واضح
كيف تنشأ هذه الثورات
وكيف تصبح عادة في الطفل
ان عوامل نشوئها مختلفة ومتعددة واذا جهلنا هذه العوامل تكون اي محاولة لمعالجتها عبثاً
قد يكون السبب جسدياً صحياً يؤثر على مزاج الطفل كما يحدث في بعض الامراض المهيجة كالحكة الجلدية او قلة النوم او سوء التغذية او حتى الاحذية الضيقة . كل هذه تعرض الطفل للهياج والثورة والعصيان . ويزول هذا العناد والهياج عادة بزوال السبب او شفاء المرض . او قد يصبح عادة ملازمة لبعض الاطفال كلما اغضبوا او ساهم امر من الامور ...
واهم واعم سبب لابتداء ودوام هذه الثورات وجعلها عادة هو اهتمام الكبار
وقلقهم عند ابداء الطفل اي غضب او انزعاج اثناء المرض او التعب او الغيرة او الحزن . فيتعلم الطفل بالاختبار كيف يستعمل هذه الثورات العصبية للسيطرة على ابويه
وما ان يكتشف الطفل بان ثورته هي سلاح فعال ينال بواسطته ما يشاء حتى يبدأ باستخدامه كلما شعر بحاجة اليه . وتختلف الاسباب التي تجعل الابوين يرضخان للطفل حسب العادة بل يجعله اشد انفجاراً وعصبية من ذي قبل .
ثم هنالك من يلجأ الى التوسل او محاولة الاقلاع بلطف او بالكلام المنطقي المعقول كأن تقول الام لطفلها الهائج بانه يتصرف بطريقة غير لطيفة او انه سيمرض اذا استمر على الصراخ او غير ذلك من الكلام اللين المعقول . ولكنها طريقة عقيمة كذلك . لان الطفل اثناء ثورته وانفجاره لن يصغي او يفهم اي جدل منطقي .
وافضل طريقة هي ترك الطفل نفسه الى ان يبدأ دون اي مداخلة من الابوين . واذا لم يستطيعا احتمال صراخه فالافضل ان يترك الغرفة له يصرخ فيها كما يشاء او اذا كان من عادته كسر الادوات ، فعليهما ان يتركاه في غرفة لا يوجد فيها اثاث سهل الكسر الى ان يبدأ
ومن الافضل جداً ان يتجاهل الابوان تلك الثورة العصبية بعدئذ كأنها لم تحدث مطلقاً .
فعندما يفهم الطفل بان ثورته لم تترك اي اثر وانها قد نسيت تماماً يضعف الاحتمال في تكرارها اذ يفهم عقم محاولته - وكل محاولة هنا هي ارضاخ الاخرين لما يريد - وعدم الاهتمام والتجاهل هو افضل طريقة وبنفس الوقت اشد عقاباً للطفل من اي طريقة اخرى .

