وصفت فلورنس نيتنجيل كثيراً بأنها شخصية لطيفة وغامضة وكانت تنتقل بين حراس المستشفى بالقرم ليلاً وقد استحقت لقب (سيدة النور) وهي امرأة قوية الإرادة ذات جلد عجيب وشجاعة فائقة، امرأة حاربت العجز في جميع صوره وأشكاله حتى تمكنت في النهاية من هزيمته وهي المنشئة الحقيقية لنظام تمرين الممرضات البريطانيات.
وهي سليلة عائلة مثقفة غنية وقد عاشت عيشة كلها سرور إلا أنها كانت حساسة لدرجة كبيرة وكان يؤلمها أن ترى الغير يتألم ولكنها في الوقت ذاته كانت تثق بأن المرأة بقدرتها وصبرها يمكنها أن تزيل هذا الألم عن المتألمين فبدأت في دراسة نظم المستشفيات والجراحة في القارة الأوروبية وفي لندن ودبلن وأدنبره.
وكانت في الرابعة والثلاثين من عمرها عندما عرف الشعب البريطاني في سنة ١٩٤٥ أن القوات الموجودة في القرم في حالة يرثى لها من المرض والجروح. وكان من المؤكد أن يطلب إلى إحدى النساء تنظيم الخدمات الطبية والتمريض فكتب وزير الحربية إلى فلورنس نيتنجيل يطلب منها القيام بهذه المهمة فردت عليه تعرض خدماتها تواً.
وفي أسبوع نظمت جماعة من الممرضات على استعداد للسفر إلى الشرق وعندما وصلت إلى مستشفى اشقودرة وجدت الحال على غير ما يرام، إذ كان
فيه حوالي أربعة أميال من الممرات والحجارات الكبيرة ملأى بالجرحى العراة مبعثرين هنا وهناك في حالة فوضى. وكان المكان قد ارتادته الحشرات والجرذان ومع ذلك أقدمت فلورنس على القيام بمهمتها الجديدة بعزم قوي لا يعرف الوهن والكلل. ورأت أن من الضروري تحسين الأحوال بسرعة فاشتغلت ليلاً ونهاراً مع الممرضات التي أتت بهن من إنكلترا وكان العمل يمتد أحياناً إلى عشرين ساعة في اليوم دون راحة نظراً لعدم انقطاع وصول الجرحى.
ولم تكن فلورنس منظمة فحسب بل كانت منظمة مدربة، فكانت تتولى الإشراف على الإمدادات التي ترسلها الحكومة كما كانت تتولى الإشراف على الطهي.
وقد حصلت على منزل مجاور وحولته إلى مكان لغسل الملابس وكيها. وقامت الممرضات بإعداد اللفافات والجبائر والمخدات والمرتبات وحصلت على آلاف القمصان التي وصلت إليها من إنكلترا ودفعت هي وأصدقاؤها أثمانها. وبعد
مضي سنة تحول المكان إلى مستشفى منظم نظيف وأصبح من أعظم المستشفيات الموجودة في البلاد.
وخلال أشهر الشتاء حصلت فلورنس على ذلك اللقب الذي أصبحت تعرف به فيما بعد وهو لقب سيدة النور وذلك لأنها كانت تتجول أثناء الليل ممسكة بمصباح في يدها في جميع أنحاء المستشفى لترى هل هناك أحد من المرضى في حاجة إلى خدماتها وقد قال أحد الجرحى عنها «كنا ننام في هذا المستشفى وكان عددنا كبيراً إلا أننا إذا رأينا شبحها قبلناه ووضعنا رؤوسنا ثانية على المخدات ونحن في غاية السرور.
وعندما عادت إلى وطنها سافرت تحت اسم مستعار حتى تتجنب الاستقبالات الحماسية وقد استقرت في منزل عائلتها القديم الموجود في قلب الريف. ولكن لم تنطفئ هذه الشعلة التي أوجدتها إذ ظلت تغذيها بكتابتها وإرشاداتها وقد كتبت الملكة فيكتوريا عن شخصيتها بعد أن قابلتها. وشعرت بقوة هذه الشخصية رغبت لو كانت في وزارة الحرب وقد عاشت فلورنس عدة سنوات عيشة منعزلة إلا أن قلبها العظيم الرحيم كان يرسل دائماً شعاعه القوي. وماتت سنة ١٩١٠ وسنها حوالي التسعين. ولن ينسى أحد خدماتها الرحيمة، وما زال وحيها يعيش حتى اليوم تستلهمه الممرضات في جميع ميادين العالم.
إلى المشتركين الأفاضل
نحن نرسل كل عدد عند صدوره في البريد فمن لم يصله فليتفضل بإعلامنا حالاً لنرسل له عوضه. والرجاء من المشتركين الذين لم يسددوا بدل الاشتراك إلى الآن التكرم بإرساله فنكون لهم من الشاكرين
