
تكاد لا تخلو حقبة في حياة الإنسان المتألم من فترة يخيم فيها الموت ويعم الدمار والعذاب والتشريد. كأنما كتب للإنسان أن يذرف مع كل ابتسامة دمعة ويصعد مع كل لحن زفرة وهو لو أراد لجعل من حياته نعيماً ومن شقائه سعادة ومن مآتمه أعراساً وأعياداً. ولكنه الإنسان ذلك الإنسان الغريب الذي يفتش عن السعادة ليحللها بالحزن وعن الراحة ليحيطها بإطار من القلق، وكأني بسعادته في هذا الصراع الدائم الطويل بين السعادة والشقاء، الراحة والتعب، الظمأ والارتواء، الطوى والشبع.
فما السبب ولم الحرب؟
لغز شغل تفكير الإنسانية من يوم وجد الإنسان ولا يزال يشغله دون أن يوفق له بحل أو يؤمن له بمبرر. فما يضع لها الحلول والعلاجات حتى يخلق من هذه أسباب لم تخطر له ببال تمتد إلى ذلك السد المحصور فينفجر ويجرف في طريقه كل شيء حتى الإنسان. والعلة في نفسه يفتش عنها في الخارج وهو لو درى لوجدها في نفسه وقضى عليها إلى الأبد.
عجباً أتكون بزرة الحرب في الإنسان ولا يستأصلها. هي في نفسه كالعليقة في الحديقة أن هو أهملها منصرفاً إلى الوردة والياسمينة يوليها كل العناية وكل الجهد نمت وامتدت وخنقت الوردة والياسمينة وكل شيء، وحسناً يفعل لو يقضي على العليقة وينصرف إلى الوردة ينميها والياسمينة يقويها.
وجد الإنسان الأول وأبى أن يموت ففيه للحياة رغبة لأنه الحياة، وفيه للحياة السائدة المحترمة لأنه إنسان. وأجلى له وجوده عن حقيقة أولى: إن أردت أن تبقى ففكر بنفسك وبكل الطرق التي تضمن لك البقاء. فأخذت عاطفته تشعر وعقله يدير ويداه تنفذان وقاده الواقع إلى مجابهة الطبيعة وفلسفته إلى مقاومة الإنسان والحيوان بكل ما ينتجه عقله ويداه. فتخطى كذلك مرحلتين من مراحل الحياة: البقاء وهو رغبة طبيعية. والبقاء السائد وهو رغبة مبتكرة.
فالرغبة في البقاء ظاهرة طبيعية يفرضها على الإنسان واقعه الطبيعي وضرورة العمل على مجابهته في قوى الطبيعة العاتية من أعاصير وزلازل وحيوانات مفترسة تجتهد كالإنسان تحدو بها رغبة ملحة في البقاء وحسب. ويقف الإنسان في هذه المرحلة في صف واحد مع أخيه الإنسان يضمها تحت لوائه نضال مشترك في سبيل هدف مشترك وضد خصم مشترك. فتتوحد الجهود وتتكتل القوى والإرادات والأساليب ويخرج الإنسان من المعركة الإفنائية معركة الموت أو الحياة تخفق فوق رأسه أعلام النصر وعلى جبينه أكاليل الغار. وإذا بالحيوان يجري في ركابه طائعاً منصاعاً وعلى ثغره ابتسامة الرضى والعزة والخيلاء. وإذا بالطبيعة تذعن لكفه وساعده وتلقي
عصا الطاعة لعقله وتخلق لعاطفته وخياله مجالاً واسعاً للتأمل والتفكير فتغشى محياه مسحة من الكآبة والرهبة والاستفهام وتطبق شفتاه أطباقة الاهتمام والحيرة. يحاول النفاذ إلى أعماق الطبيعة والوجود وسرهما فيحتار. ينظر إلى ما خطط عقله وشيدت يداه في ملكته فهو خالق هذا البناء لاتقاء الأعاصير ومذلل الحيوان لخدمته وهو خالق السيف والسكين والفأس هذه كلها من صنعه ولكن هذا الصانع من هو، وما سره، وهذه الطبيعة الجبارة التي استنفدت قواه، صنع من هي، وما سرها ولماذا وجدت الطبيعة ووجد هو.
أسئلة عديدة ملحة يخلقها تأمله وتفكيره في الوجود والطبيعة يجب أن تجاب فإذا بالإنسان يفكر في قوة فوق قوته وإرادة فوق إرادته ومسير فوق متناول عقله ولأول مرة يفكر الإنسان في الخالق ويجتهد في فهمه والوصول إليه كما توحي له به عاطفته وخياله ويبرزه عقله إلى الناس من حوله.
أما الرغبة في السيادة فمرحلة ثانية إذ إن البقاء ليس الهدف الأول والأخير للإنسان الذي لا يقف عند حد والذي لا يحل مشكلة أو يشبع رغبة إلا وفكر في سواها كأنما بقاؤه في هذا الصراع الدائم بين الاكتفاء والاستزادة، القناعة والطمع، فنوع البقاء وكيفيته هما أساسيان لبقائه.
وإذا رغبة في السيادة تطغي على عقله