
وضميره فتخرج به عن اخوة فرضها الواقع الطبيعي والخصم المشترك الى الانشقاق والانانية ، الى نزاع بين الانسان واخيه الانسان في سبيل سيادة احدهما على الآخر بعد ان سادا معاً على الحيوانات وتمكنا معاً من قوى الطبيعة الجبارة .
ولما طغت على عقله وضميره رغبة السيادة والتصرف بما للغير لمصلحته دون مصلحة الآخرين تحول اهتمامه الى التفكير بنفسه فقط وبالطرق التي تمكنه من غيره ومن امواله واراضيه فاخذت الجماعات التي عملت بدءاً واحدة بالامس تتناحر وتتكتل بعضها ضد البعض الآخر في دويلات ودول .
بقي ان نرى هنا في اسباب التكتل ونتائجه فنجمعها في اربعة :
العامل العسكري فالاحساس العميق بالخطر والخوف والرغبة الملحة في البقاء والسيادة عاملان اوليان وضعا الجماعات امام حقيقة عسكرية لا مفر منها اذا هي ارادت ان تبقى حية وعلى شيء من الحرية والامان مما حدا بها الى التيقظ الدائم والعمل المستمر على تقوية نفسها للدفاع ضد اي تعدد خارجي مداهم وللهجوم اذا اضطرت اليه اورأت فيه ضرورة لسلامتها وحياتها كما انها دفعت للتكتل والتحالف لاستكمال القوة لان في تكتلها صهراً لقوى بسيطة محدودة بالنسبة لغيرها موحدة اذا ما عملت لوحدها وعظيمة جبارة اذا هي جمعت في بوتقة واحدة تكون كفوءاً لاي قوة خارجية يحدو بها الطبع والسيادة الى مهاجمتها من
اجل خيراتها .
ولكن وحدة من هذا النوع لاتفعل بمجرد تكتلها او على الاقل لا تعمر كثيراً اذا لم يكن هناك روابط وثيقة عامة واوضاع مشتركة تجمعها كلها في صعيد واحد . وبالطبع لم يكن التكتل دائماً وممكناً لولا تلك الروابط التي توثقت عراها مع الايام في نفوس الجماعات وجعلت من اهدافها ومصالحها مصالح واهداف مشتركة خرجت بها عن العزلة وفلسفة الاكتفاء . كما ان هذه الحقيقة العسكرية ليست الا نتيجة لهذه الروابط ولا تدوم الا بها .
وهذه الروابط تجتمع في ثلاث :
التي توحد بين الجماعات المنتشرة في وطن ضمن حدود طبيعية جلية على اطرافه كالبحر والجبل والصحراء . ومفعول هذه الحدود مزدوج يشمل الناحيتين العسكرية والخلقية لتلك الجماعات ويميز تصرفاتها وعاداتها واخلاقها عن الامم عبر الحدود . فهذا الواقع الجغرافي يجعلها عسكرياً في امان اذ يكون لها خطاً دفاعياً طبيعياً وحاجزاً يصعب على الاعداء تخطيطه لا سيما في العصور الاولى يوم لم يكن للانسان اساليب للمواصلات تتغلب على رحابة الصحراء وحرها والبحر واتساعه وعصيانه والجبال وادغالها وحيواناتها ووعورة مسالكها او تتعدى جهله الجسماني وطرقه الاولى وضع يجعلها تحس بتجاذب فيما بينها لاتقاء الخطر وبحاجة لوحدة الواقع والمصير .
ولما كانت هذه الحواجز الطبيعية صعبة التخطي جعلت الاختلاط بين الشعوب مستحيلاً
او صعباً جداً على الاقل ، ووسمت الوطن ضمنها بمناخ ووضع جغرافي خاصين انتهيا في طابع خاص وصيغة خاصة لفئات معينة تقطن وطناً معيناً يختلف عن سواه من حيث الوضع الجغرافي ونتائج هذا الوضع في الانسان .
فكان من هذا الوضع ان اجبرت الجماعات ضمن الوطن الواحد والحدود الواحدة ان تتكتل وتتعاون وتواجه الاحداث مجتمعة لبقائها وراحتها وما فيه خيرها فحققت على مرور الاجيال وحدة داخلية متينة في الاخلاق والعادات والاساليب والمصالح كنتيجة للتاريخ الواحد والاحداث الواحدة والحدود الواحدة .
وما لبث الانسان ان تغلب بعقله وصبره على هذه الحواجز الطبيعية العنيدة بما انتج من الات تخطت البحر والجبل والصحراء فاصبح الاختلاط ممكناً وسهلاً والاتصال المباشر الدائم عبر الحدود امراً طبيعياً . فزالت الحدود عملياً ولكن تلك الآثار الاخلاقية القومية التي تركتها في الشعوب مع الاجيال لم تزل بزوالها بل بقيت مميزاً طبيعياً ثابتاً للامم المختلفة في الاوطان المختلفة على استعداد للتبادل والتعاون وفي حرص شديد على ذلك الشعور القومي الموروث .
هكذا كون الانسان في تطوره التاريخي فكرة كانت وما تزال سائدة حتى يومنا هذا ولكن على نطاق اوسع وفي جو من المحاولات البائسة العنيدة للتوفيق بين الخير العام وهذا التراث القومي الذي خلقته الاجيال ولتأمين سلام دائم لجميع الشعوب كبيرة وصغيرة غنية وفقيرة .