لم يكن البيان الذي القاه السر بن سميث في مجلس العموم البريطاني مؤخراً ، حول حالة الطعام في العالم ، انذاراً بالصعوبات والمشقات القادمة ، بل بسطاً صريحاً لحراجة الموقف ، وللحاجة السريعة الى اعمال انقاذ اذا رغب في القضاء على مجاعة واسعة النطاق .
ولعل بريطانيا التي تألمت من تحديد استهلاك الطعام مثل بقية حلفائها او اكثر خلال سنوات الحرب ، معرضة اليوم لانقاص جديد في حصص التغذية ، وهي الحصص التي بلغت الحد الادنى تكفيء للبقاء على الحياة فقط .
واسرع المستر ترومان بتأييد وزير التغذية البريطاني ، ونصح العالم باتباع الطرق التي سيرسمها بقصد تحسين هذه الحالة المنذرة بالخطر . واتخذت حكومات الدومنيوم تدابير مماثلة .
وليس من المستطاع التغلب على هذه الوضعية بمجهودات فردية وانقاص حصص الافراد ، فالقضية هي نقص عالمي في الاغذية ، وعلى العالم كله ان يتحمل آثارها ومن الحق والعدل ان تصبح الامم كلها مستعدة لتحمل قسطها من العبء .
ويقدر ان العرض اقل من الطلب بما يعادل خمسة ملايين ونصف مليون طن ، وذلك خلال الاشهر الستة الاولى من هذه السنة . وهذا لا يعني ان النقص محصور في القمح ، فالارز ينقص بمقدار مليون ونصف مليون طن عن الحاجة ، اما السكر فكان نقصه مقدراً بمثل تلك الكمية لكن سوء حالة المحصول في كوبا سيزيد الكمية الناقصة ، وليس من المأمول ان تتقدم جاوا لسد هذه الثغرة اذا ما جادت عليها السماء بمطر غزير ، وذلك
بسبب الازمة السياسية القائمة فيها . والزيوت النباتية كذلك مفقودة بدرجة جدية ، وتحرجت الحالة من جراء عجز عمليات صيد الحيتان .
وقد يبدو الموقف متناقضاً في اعين الكثيرين الذين يظنون ان انتهاء الحرب يجعل حالة الاغذية احسن مما كانت عليه في سنوات القتال . فما هي اسباب هذا الانقلاب...
السبب الاول والاهم هو ضعف المحصول في البلاد المصدرة بصورة لا عهد لها بمثلها ، فاستراليا اجتاحتها موجة من الجفاف والجدب لم تعاين شبيهاً لها منذ اجيال . وهبت الاعاصير على الهند واحتبست عنها الامطار فحطمت آمالها في جنى محصول جيد . بل ان الطلبات على الحبوب تعالت من اقطار كانت حتى امس القريب من الاقطار المصدرة مثل شمال افريقيا . ومحصول الارز اليوم ينقص ١٠ في المئة عما كان عليه قبل الحرب بسبب انقاص المساحة المزروعة به في اقطار الشرق الاقصى .
والسبب الثاني هو الالتزامات التي قطعها الحلفاء وهيئة الاعانة والتعمير على انفسهم تجاه البلاد المغلوبة . ومن المستحسن ان نبحث حالة الممالك التي اصابتها اضرار الحرب ونهبها الالمان ، فقد كانت
اوروبا عادة تستورد الطعام ولكنها اضطرت مدة الحرب ان تنقطع عن الاستيراد وتعتمد على مواردها الخاصة التي ظلت في هبوط مستمر حتى بات من غير المأمول ان تستطيع انتاج نصف حاجاتها في هذه السنة ، والواردات التي تطلبها اوروبا لا تقف عند الطعام فقط ، بل تشمل ايضاً الآلات والادوات اللازمة لانتاج الاغذية ، فهناك نقص فادح في الاسمدة والحيوانات والماشية والدواجن والآلات. وكانت قلة الكفاءة العامل الرئيسي في عجز محصولات الاراضي التي تحتاج الى سماد كباري حتى تخصب وكان انتاج السماد في المانيا قبل الحرب عظيماً ، ولكنه انقطع بتوقف القتال .
وليست اوروبا هي المنطقة الوحيدة التي تشكو من قلة السماد ، بل هي ازمة عالمية . وهذه الحالة الحرجة يمكن التغلب عليها بتدابير حازمة يجب ان تشترك فيها كل الامم ، وتشمل هذه التدابير اول الامر تخفيض حصص الاستهلاك .
والنقص الحالي في الطعام ، في اوروبا والشرق الاقصى اعظم طارئ يواجه الامم المتحدة منذ نهاية الحرب ، ويتطلب حشد المجهودات والموارد في السلم كما كانت الحالة في ايام الحرب عندما تضافر الجميع على مقاتلة عدو مشترك . وينبغي على اقطار الشرق الاوسط التي تلقت مساعدات للتخلص من مشكلاتها الغذائية في اثناء سني الحرب بوسائل مجلس تموين الشرق الاوسط ان تساهم الان في هذا المجهود .

