قليلاً في الماشي المظلمة.
كانت الأشجار التي في مؤخرة الحديقة كتلة ظل ضخمة، أو هي أشباح مبهمة. الطقس بارد لكن للماء الذي يصب في البركة خريراً عذباً يلذّ السمع بين غيمتين قاتمتين تتألق فيها بعض نجوم وكان البرد يزيد في لمعانها. هذا صوت زمور سيارة بعيدة. شعرت أسماء بأن نفسها قد هدأت قليلاً. فرفعت قبة معطفها وأخذت تتمشى على مهل. ها هي تعود إلى التفكير في جاكلين: ومن جهة أخرى إذا كانت هي لا تخالط الناس كثيراً ولا تتلهى كجاكلين ألا تحصل على لذات أسمى من تلك؟ أتقدر جاكلين أن تقرأ كتاباً أدبياً جميلاً! إنها ترمي نظرة على الصحف والمجلات التي تشتريها، وكل ما يهمها منها هي صفحات الموضة وصور الممثلات في السينما. ولا يمكنها أن تتذوق إلا الملذات المادية فقط. إن أسماء تشعر جيداً بتفوقها هذا على جاكلين ولكنها لا تزال تشعر بانقباض قلبها رغم كل هذه المغريات. فكأنها تهدر صباها بعيدة عن العالم من يراها؟ من يعرفها؟ من يدري بوجودها؟
ينادونها من البيت:
- أسماء، أسماء أين أنت،
تعرف صوت أخيها الصغير، لا شك أنه يحتاج إليها لتشرح له فرضه في الحساب.
- أنا آتية.
هذه حياتها: تهتم بأخويها الصغيرين، تشتغل قليلاً في البيت. تذهب أحياناً مع أمها لزيارات مملة. لا تسلية لها غير السينما والقراءة والراديو.
يفتح الشباك. هذا أخوها، تكاد لا
تتبينه جيداً في العتمة ولكنه يصرخ مرة ثانية بالحاح:
- تعالي... أنا أنتظرك.
فتدخل تعبة وقلبها مثقل.
الساعة الآن الحادية عشرة. ها هي أسماء تلبس ثياب نومها وتراجع في ذهنها ما حصل في السهرة التي انتهت الآن: سهرة مملة كسائر السهرات السابقة: جاء الجيران، جماعة من العجائز والكهول. تجادلوا أولاً في موضوع السياسة الواسع. ثم لعب أبوها الشترنج مع إحدى السيدات بينما كانت الأخرى تنسج بالصنائير وهي تروي أخبار الحي. أرادت أسماء أن تسمع موسيقى ولكنها اضطرت إلى إقفالها حالاً لأن «الجاز» يؤلم رأس السيد الكبير.
تصلي أسماء بعجلة لأنها ناعسة فترتمي في سريرها وتتدثر باللحاف جيداً، لكنها تحدق إلى باب غرفتها المفتوح قليلاً فتلمح منه إحدى الستائر الخضراء في غرفة الطعام حيث لا يزال أبوها ساهراً. الهواء الداخل من النافذة يلعب بالستار الأخضر، فينبسط ويسترسل ثم ينتفخ بشكل دائرة. إنه ثوب رقص أخضر بديع وقد دفع إليها لتلبسه. ها هي ترقص «الفالس» تدور وتنتقل مع شاب أنيق اللباس. كم هي جميلة الليلة تحت أنوار الثريات المتلألئة. غرفة الرقص كبيرة جداً ومملوءة بالناس. ما أجمل هذه الرقصة. ثوب أسماء الفضفاض يطير حولها، إنها سعيدة جداً.
في اليوم التالي تفيق أسماء على قرقعة حذاء أخيها المحدد وهو يقفز في غرفتها ويصرخ:
- الساعة الآن السابعة والنصف،
يا إلهي، ولم أراجع بعد أمثولة الجغرافية. يضع كتاباً مفتوحاً بين يديها ويأخذ في ترديد أمثولته وهو ينظر إلى السقف مقطب الجبين. تنهض أسماء قليلاً وتتكئ على كوعها لتتبع ما يردده أخوها في الكتاب.
هذا أخوها الثاني يأتي لابساً جاكيته مقلوبة.
- أصلحي لي هذه الجاكيتة، لا أتمكن من تبكيلها، ولفرصة الساعة العاشرة هيّئي لي شطيرة جبن. لا أريد الذي يلتصق بالأنامل ويضايقني في اللعب بالكلل...
تنهض أسماء من فراشها بوثبة واحدة. وبينما هي تهيء الشطائر، تتذكر بكثير من المرارة والندم حلمها المستحيل في الليلة الماضية.

عليك بالعمل أيام الشباب فإن ساعات الشباب من ذهب، وساعات الكهولة من فضة، وساعات الشيخوخة من رصاص، فإن من لا يعرف شيئاً في العشرين لا يعمل شيئاً في الثلاثين ولا يملك شيئاً في الأربعين. (حكيم)
بينما الحقائق تتهيأ للظهور ولا تكاد تنتهي بعد من وضع الحذاء، تكون الأكاذيب قد قطعت نصف العالم! (سبورجيون)
الحب رمز الأبدية، فهو لا يعبأ بالأوقات والفصول كالماضي والمستقبل ويزيل كل تذكارات البداية وكل مخاوف النهاية. (أوغست كونت)
الزواج ليس إلا مبارزة في وسط معركة، أو نوعاً من القمار تجازف فيه المرأة بحريتها والرجل بسعادته. (حكيم)
