دعت لجنة من الافاضل فريقاً كبيراً من السيدات والسادة الى حضور حفلة تكريمية اقيمت في وست هول للمربية الفاضلة الآنسة امينة الخوري المقدسي. وقد افتتح الحفلة الاستاذ اميل نصار بكلمة متزنة ابان فيها الغاية من هذه الحفلة، ثم قدم الخطيب الاول الاستاذ حبيب ريز، فالقى خطاباً قيماً بين فيه فضل الآنسة على التعليم، ثم تكلمت الآنسة ليلى شاهين فكانت كلمتها لطيفة، ثم الآنسة حمادة فكانت موفقة، ثم معالي عادل بك عسيران، الذي القى كلمة جريئة، ثم وقف معالي وزير الداخلية والمالية اميل بك لحود فقرأ المرسوم بمنح الآنسة المقدسي وسام الاستحقاق المذهب، ثم علق على صدرها في عاصفة من التصفيق. وكانت الكلمة الاخيرة للآنسة المحتفى بها، فالقت كلمة ممتازة (يجدها القارىء تحت هذا الكلام).
***
كلمة الآنسة امينة الخوري المقدسي
معالي الوزير،
حضرة صاحب الكرسي،
ايها الافاضل،
ان اولادنا هم اعمدة عالية جميلة يرتكز عليها بناء الامة، وليس المعلمون والمربون سوى عمال يعدون تلك الاعمدة، فالبعض يشتغل في التأسيس، والبعض في الرسم والنقش، والبعض
بالصقل والزخرفة، حتى يتم العمل وتظهر تلك الاعمدة باجلى مظاهر الجمال والفن، وانا ايها السادة والسيدات قدر لي ان اكون من العمال الذين يشتغلون في الاساس، وقد شئتم اليوم ايها المواطنون الكرام ان تضعوا اسم هذا العامل على اللوحة بدل اسم المهندس ونسبتم الي عدداً من الاعلام اللامعين في الوطن انهم تلامذتي، فبكل سرور وافتخار اقبل هذه النسبة مع اني لست الا عاملا اساهم في تأسيسهم على محبة الله والوطن ولغتهم العربية.
ان المدرسة التي قدر لها ان تربي الولد في مرحلته الاولى من الحياة، من سن الخامسة الى الثانية او الثالثة عشرة، سن التطور وزرع العادات الحميدة، وغرس المبادئ العالية، كان لا بد لها من مشاركة الوالدين وهكذا التقدير الذي اظهرتموه لي وهذا الوسام الذي انعمت به علي حكومتنا السنية ليس لي وحدي بل لي فيه شركاء. شركائي هم الوالدون سيما الام الحكيمة الساهرة على اولادها، التي تقدر عمل المربية وتنظر اليها نظر الاكرام والاهمية في حياة الولد، شريكاتي ايضاً معلماتي اللواتي منحهن الله موهبة للتعليم، وحنواً على الصغير، وطول اناة في معاملته سهلت عليهن هذه المهنة. اوليس التعليم سيما تعليم الصغار هو نوع من الامومة.
شريكاتي اعضاء جمعية النساء التهذيبية اللواتي جعلن غايتها تعليم الولد المحتاج
الموهوب في مدرسة رأس بيروت.
ايها الافاضل كما ان لا شيء يوازي في نظر الوالدين عند رؤيتهم ولدهم يتقدم يوماً فيوماً في القامة والنعمة ممتلئاً صحة وجمالاً، هكذا لا شيء يوازي في نظر المربية عند رؤيتها ولداً يدخل صغيراً الى المدرسة، ويخرج يافعاً وقد اتسع عقله، وزادت معارفه، وظهرت مواهبه، وتشرب المبادئ التي زرعتها المدرسة في افكاره. وماذا يطلب المربي اكثر من رؤيته رجالا ونساء وقد انتشروا في مرافق الحياة، من نواب، واساتذة، واطباء ومهندسين، ورجال سياسة واعمال، وسيدات بيوت وعاملات في خدمة الوطن ورفع الهيئة الاجتماعية.
وهل يرتفع الوطن الا على سواعد ابنائه وبناته المتعلمين المتهذبين الذين يتبعون المثل العليا.
نعم وان كان عمل التربية والتعليم هو عطاء اكثر من الاخذ، وعمل للغير اكثر مما هو للنفس فله حسنات وبركات عديدة، ومن بركاته ان المربي لا يشعر بالوحدة والانفراد في هذه الحياة، فمعارفه لا تتوارى عن انظاره، واصدقاؤه يزداد عددهم على مرور الايام. فكيفما ذهب واى سار يرى وجوها تبتسم له، وعيونا تشع بنور الذكريات الماضية. وهو يتجدد ابداً في حيوية ونشاط وقوة الاحداث. هذا الشعور الروحي والصلة الادبية لهما اكبر جزاء يناله من يزاول مهنة التعليم مدة طويلة. وهذا الانعام الذي خصتني به حكومتنا السنية هو فوق ما كنت اتصور او انتظر. عاش صاحب الفخامة الشيخ بشارة الخوري الذي بجهاده مع رجال حكومته البواسل نال لبنان استقلاله، وتحررت الثقافة الوطنية من قيودها

