لها لعاب بوشه وفرانكونار. فقفز كل منا الى سبيته وفرش الوانه وامسك بريشته وبدأنا العمل بهوس وحب
وبينا نحن مأخوذون بجمال الموضوع تجتاحنا حمى الخلق تحت تأثير اله من آلهة الفن، اذا بنا نسمع صيحة ضعيفة ونرى الجسم المائل امامنا ينهدم على المنصة. فتراكضنا اليها وجرب اقرب الرفاق منها ان يسعفها، فلم تتمكن من الوقوف ولكن صوتا سمع فيه كل ندا آت الحياة، يتمتم: ـ انا جائعة ومنذ ثلاثة ايام لم اذق سوى الماء
فتفرق الرفاق بسرعة الوميض ورجعوا يحملون من الخبز والفاكهة والخمر والمقددات ما يكفي عشيرة واخذنا نزفها المأكل والمشرب كما يفعل الحمام بزغاليله، الى ان شبعت وارتوت ورجعت الحياة الى جسدها والطمأنينة الى عينيها عندما شاهدت خمسين عيناً ترنو اليها تريد ان تنتزع سر ألمها الدفين بل سر جوعها وهي على مثل هذا الجمال. ولكن الصمت خيم على القاعة عندما رجعت هي الى وقفتها الاولى، ورجع كل منا الى ادواته والوانه
في فترة الراحة اقترب منها اجرأ الرفاق وطلب اليها ان تروي لنا قصتها فهزت برأسها ولم تجب. لكنها لم تتمكن من الاحتفاظ بصمتها طويلاً تجاه المؤانسة التي غمرناها بها، فجلست على منصتها ـ وهي عارية ـ وجمعتنا حولها وبدأت قصتها. قالت:
انا ابنة طبيب شهير في ليون. واسمي اندره. ويمكنكم منذ الآن ان تنادوني بهذا الاسم. اما اذا كان لا يعجبكم فلكم ان تستبدلوه بأي اسم تشاؤون. تربيت في بيت والدي تربية بورجوازية دينية، وتعلمت في مدرسة
الراهبات، ولم يهمل والدي ناحية من نواحي التهذيب والثقافة، فحصلت شهادتي الفلسفية، واردت بعدها ان ادرس الطب، وهنا بدأت قصتي.
تعرفت الى شاب من رفاقي ظريف جميل. فتحاببنا وتواعدنا على الزواج، ولكني اصبحت لا اطيق البعد عنه دقيقة، فاطلعت والدي على حبي فجنا، واخذا علي العهود بقطع كل علاقة لي به لاسباب قالا لي انها خطيرة جداً وانني لا يجوز ان اطلع عليها ... اما انا فكنت قررت ان اطيع والدي ولكني عندما التقيت جان ـ وهذا اسمه ـ نسيت كل شيء وارتميت بين ذراعيه باكية واخبرته بالواقع. فانكب علي واكد لي حبه ووفاءه كما اكد لي انه يأمل فور فوزه في الامتحانات النهائية، ان يفوز بالاكليلين: اكليل الغار واكليل الزهر.
فهدأ روعي ورجعنا نلتقي كلما عن لنا اللقاء. ورجع كل شيء الى ما كان عليه، وعشنا حبيبين مدة حسدنا عليها الناس والطيور والنجوم. الى ان وقعت الواقعة. وكان ذلك في ليلة عاصفة، وكنا ذهبنا لحضور فيلم عاطفي فبدلاً من ان يوصلني حبيبي الى بيتي كالعادة اقتادني الى غرفته دون ان ابدي اية مقاومة ...
لا اريد ان اقول لكم شيئاً عن ليلتي هذه، فالفاظي والوانكم اعجز من ان تصفها او تصورها. فقد كنت اعتقدني اصبحت اسعد امرأة في الوجود فاذا بي اشقى امرأة في العالم.
رجعت مساء اليوم التالي الى بيت والدي، فكان استنطاق طويل استغرق ساعات بحت في نهايته بكل شيء فكان جزائي صفعة على وجهي ولعنة من فم
والدي وطرداً من البيت الذي فيه نشأت فخرجت باكية على عش ملأت سماء تغريداً وبيت كنت للامس هناءه وامله الوحيد وابوين تحسدني المروءة والامومة عليها.
خرجت مطرقة لا اعي، وظلت امشي موقعة قدمي على اوزان نغم يعزف في اذني عزيفاً يائساً، يتردد الموت في بداية كل مقطع من مقاطعه ونهايته. في العتمة ... الى ان بلغت حافة النهر فازداد العزيف قوة. ثم رأيت اشباحاً من عظام تتراقص على الماء فتسمع لها قرقعة وخشخشة وهي تتلوى وتتمايل وتهبط وتعلو وتبعد وتقترب، تغوص في الماء وتطلع فوقه، ثم رأيتها تقفز الى الرصيف وتكون حلقة تدور حولي معربدة مغنية. ثم بدأت الحلقة تضيق فتضيق، الى ان لامست وجهي انفاس الراقصين، وضجت عربداتهم في رأسي ففقدت رشدي وظللتني غمامة سوداء اقتلعتني من اليابسة وغاصت بي في لجة اليم.
استيقظت على صوت ناعم حنون فلم اشأ ان افتح عيني خشية ان افقد لذة الصوت. ولكن الصوت كان يلح في مناداتي ويتوسل الي ان افتح عيني وان اجيب. ففعلت، ورأيتني في غرفة صغيرة بيضاء، كلها بيضاء. والصوت الذي طرد عني الغمامة السوداء واعاد الي الحياة هو صوت امي راكعة فوق سريري تضم رأسي بين يديها وتغسله بدموعها. كما ان فتحت عيني حتى جنت فرحاً وانكبت تقبلني وتبكي حتى انتزعتها الممرضة عن سريري
بقيت شهراً في المستشفى وكانت والدتي تعودني مرتين كل يوم. اما ابي فلم ار له وجهاً، وكنت كلما سألت امي عنه تلفق لي الاعذار لاسكت عن سؤالها ... ولكن جان. اين جان؟ ألم يعلم ما حل بي. ألم يقرأ
